زار النائب غسان مخيبر صباح اليوم رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وسلمه مذكرة تتضمن ملاحظاته حول "معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق بين الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية"، وذلك على اساس الصلاحيات الدستورية التي يتولاها رئيس الجمهورية في عقد المعاهدات، وفي ضوء قرار مجلس الوزراء بوجوب مراجعة المعاهدات والاتفاقيات المعقودة وتجميع الملاحظات بشأنها تمهيدا لإعادة مناقشتها مع السلطات السورية المختصة.
طلب النائب مخيبر من فخامة الرئيس، العمل على تعديل المعاهدة المذكورة والغاء الهيئات الدائمة المنشأة بموجبها، لا سيما "المجلس الأعلى" و"الأمانة العامة"، لمخالفتها الدستور اللبناني ولعدم ائتلافها مع تبادل التمثيل الديبلوماسي القائم حاليا.
تضمنت المذكرة مختصراً للاسباب الموجبة للتعديل والالغاء المطلوبين، وارفق بها النائب مخيبر، متبنيا مضمونها، المذكرة التي كان اعلنها النائب الراحل الدكتور البير مخيبر عام 1991 وحيدا في مجلس النواب بمعرض رفضه لهذه المعاهدة، والتي كان ساهم النائب غسان مخيبر انذاك في صياغة القسم القانوني منها. أما ابرز هذه الأسباب الموجبة فهي:
1 - يجب الغاء المادة الرابعة برمتها بسبب حصول الإنسحاب الكامل للقوات السورية من لبنان، وكلا البلدين لا يتوقعان او يوافقان على اية عودة لهذه القوات ...
2 - يجب الغاء الأجهزة الدائمة المشكلة بموجب المادة السادسة من المعاهدة لمخالفتها الدستور اللبناني. فالمعاهدة جعلت من المجلس الأعلى هيئة تقريرية في عدد كبير من المواضيع الهامة والخطيرة مما يضعها في اطار هو اشبه بالنظام الكونفيديرالي، اذ جعلت الفقرة 1- د من المادة السادسة "قرارات المجلس الأعلى الزامية ونافذة المفعول في اطار النظم الدستورية في كل من البلدين" ... وليس في لبنان مثل هذه الحالات!. هذا إضافة إلى أن أعضاء المجلس الأعلى اللبنانيين لا صفة تقريرية لهم في النظام الدستوري اللبناني بشأن تنظيم العلاقات الدولية، لا منفردين ولا مجتمعين، باستثناء رئيس الجمهورية الذي يتمتع وحده بصلاحية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية (المادة 52 من الدستور)، فكيف لهؤلاء الأعضاء اذا ان يمنحوا مثل هذه الصلاحيات في المعاهدة؟!.
3 - ان تبادل التمثيل الديبلوماسي بات يحتم على كل من لبنان وسوريا مراجعة المعاهدة وتعديلها من اجل تفعيل عمل السفارتين وادخالهما بشكل عملي في منظومة تطوير العلاقات الثنائية بين الدولتين.
في ما يلي النص الكامل لمذكرة النائب غسان مخيبر ومذكرة الدكتور البير مخيبر في العام 1991:
بيروت في 2 شباط 2010
فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان المحترم
تحية وبعد،
لما كان الدستور اللبناني اناط بفخامتكم صلاحية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها بالإتفاق مع رئيس الحكومة؛
ولما كنتم والحكومة اللبنانية بصدد مراجعة الإتفاقيات المختلفة المعقودة مع الجمهورية العربية السورية وتجميع الملاحظات بشأنها تمهيدا لإعادة مناقشتها مع السلطات السورية المختصة؛
جئت بهذا الكتاب اعرض لفخامتكم ابرز المخالفات التي تعتري "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية" الموقعة في دمشق في 22 أيار 1991، راجيا منكم العمل على تعديلها، وبخاصة إلغاء الأجهزة الدائمة المنشأة بموجب هذه المعاهدة، لا سيما "المجلس الأعلى" و"الأمانة العامة" لمخالفتها الدستور ولعدم ائتلافها مع تبادل التمثيل الديبلوماسي القائم حاليا.
كما يشرفني توضيحا مستفيضا لأسباب التعديل والغاء المجلس الأعلى، ان ارفق المذكرة التي كان نشرها الراحل النائب الدكتور البير مخيبر معترضا على هذه المعاهدة ومضمونها، وكان صوت وحيدا في مجلس النواب في العام 1991 ضد اجازة ابرام هذه المعاهدة، كما طالب وحيدا ايضا في مجلس النواب في العام 2000 جلاء القوات السورية وتبادل التمثيل الديبلوماسي بين الدولتين. وقد كان لي الشرف آنذاك المساهمة في صياغة القسم القانوني من المذكرة الموضوعة من الدكتور البير مخيبر بشأن المعاهدة موضوع هذا الكتاب؛ لذلك لا يسعني سوى ان اتبناها مكررا ابرز ما جاء فيها، كما فعلت مرارا في مواقف علنية في السابق، كان آخرها في كلمتي في مجلس النواب بمعرض مناقشة بيان الحكومة الحالية.
كما في المذكرة عام 1991، لا بد لي من التأكيد بادئ ذي بدء في هذه الرسالة، الى " أننا من الذين كانوا وما زالوا يعتبرون أن أقامة علاقات حسن جوار وديَة وأخوية صادقة بين لبنان وسوريا أمراً طبيعياً، لا بل بديهياً. لكننا، من ناحية أخرى، من الذين يتمسكون بمبدأ إرساء هذه العلاقات على أسس واضحة لئلا يساء في المستقبل تأويلها أو تفسيرها، وعلى مبادىء ثابتة أهمها المحافظة على سيادة كل من البلدين وإستقلاله وعلى الديمقراطية والحريات العامة وعلى سيادة القانون."
اما ابرز الأسباب التي تدعو الى تعديل المعاهدة والغاء الأجهزة الدائمة المشكلة بموجبها، فهي بأيجاز الآتية:
1 - يجب الغاء المادة الرابعة برمتها بسبب حصول الإنسحاب الكامل للقوات السورية من لبنان، وكلا البلدين لا يتوقعا او يوافقا على اية عودة لهذه القوات؛ والمادة المذكورة تنص على اعادة انتشار القوات السورية ووجوب الإتفاق بين الحكومتين [على] تحديد حجم ومدة تواجد القوات السورية في المناطق المذكور في [المادة 4] وتحديد علاقة هذه القوات مع سلطات الدولة اللبنانية في اماكن تواجدها.
2 - يجب الغاء الأجهزة الدائمة المشكلة بموجب المادة السادسة من المعاهدة لمخالفتها الدستور اللبناني. فالمعاهدة جعلت من المجلس الأعلى هيئة تقريرية في عدد كبير من المواضيع الهامة والخطيرة مما يضعها في اطار هو اشبه بالنظام الكونفيديرالي، اذ جعلت الفقرة 1- د من المادة السادسة "قرارات المجلس الأعلى الزامية ونافذة المفعول في اطار النظم الدستورية في كل من البلدين" ... وليس في لبنان مثل هذه الحالات!. هذا إضافة إلى أن أعضاء المجلس الأعلى اللبنانيين لا صفة تقريرية لهم في النظام الدستوري اللبناني بشأن تنظيم العلاقات الدولية، لا منفردين ولا مجتمعين، باستثناء رئيس الجمهورية الذي يتمتع وحده بصلاحية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية (المادة 52 من الدستور)، فكيف لهؤلاء الأعضاء اذا ان يمنحوا مثل هذه الصلاحيات في المعاهدة؟!.
3 - ان تبادل التمثيل الديبلوماسي بات يحتم على كل من لبنان وسوريا مراجعة المعاهدة وتعديلها من اجل تفعيل عمل السفارتين وادخالهما بشكل عملي في منظومة تطوير العلاقات الثنائية بين الدولتين.
وتفضلوا بقبول الإحترام،
النائب غسان مخيبر
مذكرة النائب الراحل الدكتور البير مخيبر في موضوع المعاهدة اللبنانية السورية
كما نشرت في جريدة النهار بتاريخ 22/5/1991
كرر النائب الدكتور ألبير مخيبر معارضته مشروع " معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق " بين لبنان وسوريا، مع تأكيده أن " إقامة علاقات حسن جوار وديَة وأخوية صادقة أمر طبيعي وبديهي". ورأى أن هذا المشروع ينطوي على مخالفات دستورية بإستحداث هيئات ذات سلطة تقريرية لا يجيزها الدستور، وانها تتنافى سياسياً مع سيادة لبنان وإستقلاله. وقال نائب المتن في تصريح أدلى به أمس:
" أن قراءة دقيقة لهذا المشروع الذي إطلعنا عليه في الصحف يدعونا الى أبداء ملاحظات على الصعيدين السياسي والقانوني. ولكن بادىء ذي بدء، ومنعاً لتأويلات خاطئة مبسطة لموقفنا من هذا المشروع، نبادر على التأكيد بأننا من الذين كانوا وما زالوا يعتبرون أن أقامة علاقات حسن جوار وديَة وأخوية صادقة بين لبنان وسوريا أمراً طبيعياً، لا بل بديهياً. لكننا، من ناحية أخرى، من الذين يتمسكون بمبداء إرساء هذه العلاقات على أسس واضحة لئلا يساء في المستقبل تأويلها أو تفسيرها، وعلى مبادىء ثابتة أهمها المحافظة على سيادة كل من البلدين وإستقلاله وعلى الديمقراطية والحريات العامة وعلى سيادة القانون. لكن على رغم تدوين بعض من تلك المبادىء في أعلان النيات الحميدة في مقدمة مشروع المعاهدة جاءت النصوص التطبيقية والتعامل السياسي بها مخالفة لتلك المبادىء ولما نطمح اليه مع الشعب اللبناني المعذب.
فهل نصون سيادة لبنان واستقلاله إذا أبرمت هذه المعاهدة؟
لماذا مثلا إبقاء البند المتعلق ب"أعادة انتشار "الجيش السوري" ؟ فأذا كان وجود قواته في البقاع لتبقى هناك، فهذا يتنافى مع إستقلال لبنان وسيادته. أما إذا كان غير ذلك، فلا حاجة بعد الى مثل هذا البند، لأن قوى الأمن اللبنانية وقوات الجيش اللبناني التي تتابع إنتشارها ليشمل كل المناطق التي ستنسحب منها القوات السورية، لديها القدرة على تولي الأمن في البقاع أيضاً.
وأني أخشى أن إدراج البند المتعلق ب"إعادة انتشار" الجيش السوري في سياق هذه المعاهدة بالذات وفي هذا الجو الخطير في الجنوب، يعطى أسرائيل الذرائع للتنصل من تنفيذ القرار 425 ولإبقاء إحتلال الجنوب، علماً أن هذا الاحتلال المزمن هو العنصر الأساسي الذي يعرقل الإستقرار والسلام في كل لبنان ويحول بالتالي دون بقية الاحتلالات.
هذا على الصعيد السياسي. أما على الصعيد القانوني، فقد جاء مشروع المعاهدة مخالفاً في نواح عدة للدستور الذي هو درع الاستقلال والسيادة والديمقراطية والحريات العامة وغيرها من المبادىء الاساسية التي يرتكز عليها نظامنا اللبناني.
أولا، إن مشروع المعاهدة يخالف الدستور اللبناني بإستحداثه هيئات ذات سلطة تقريرية لا يجيز الدستور مزاولتها إلا من هيئتين فقط هما المجلس النيابي ومجلس الوزراء: لقد حدد الدستور اللبناني ( المواد 16 وما يليها منه) حصراً السلطات بثلاث : المشترعة وهي مجلس النواب، والاجرائية وهي مجلس وزراء والقضائية.
أما مشروع المعاهدة فقد إستحدث سلطة رابعة هي " المجلس الاعلى" الذي نيطت به صلاحيات إجرائية، فخالف الدستور. هذا إضافة إلى أن أعضاءه اللبنانيين لا صفة تقريرية لهم، لا منفردين ولا مجتمعين.
فلقد جاء في المادة الرابعة الفقرة 1-د منه : " قرارات المجلس الأعلى إلزامية ونافذة المفعول إلا ما يستلزم تنفيذه الموافقة من السلطة التنفيذية أو الإشتراعية في كل من البلدين وفقا لنظامها الدستوري"
إن هذه الفقرة مخالفة للدستور لانها أعطت " المجلس الاعلى" صلاحية أتخاذ قرارات إلزامية ونافذة كقاعدة عامة، في حين جعلت الاستثناء ( باستعمال كلمة "إلا" ) العودة الى مجلس الوزراء والمجلس النيابي. أما الواقع الدستوري، فهو أنه لا يمكن أن يكون لقرارات هذه الهيئة أية صفة إلزامية ولا تكون نافذة ولا في أي حال من الاحوال لأنها ليست سلطة دستورية. لذلك فأن جميع ما تقوم به يجب أن يقترن بقرارات من المجلس النيابي، ولا إستثناء واحد جائزا على هذه القاعدة.
كذلك جاء في المادة الرابعة1- ه أن "المجلس الأعلى "يحدد" المواضيع التي يحق لللجان المختصة إتخاذ قرارات فيها تكتسب الصفة التنفيذية بمجرد صدورها عنها، وفقا للأنظمة والاصول الدستورية في كل من البلدين. أن هذه الفقرة تخالف الدستور أيضاً، فبما أن لا صفة دستورية للمجلس الاعلى، فلا يحق له تحديد أي شيء تكون نتيجته إلزامية على أي مواطن لبناني. وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللجان التي لا صفة ولا صلاحية لها لإتخاذ قرارات تكتسب الصفة التنفيذية بعد صدورها عنها، لأن هذه الهيئة ليست سلطة دستورية ولا هي منبثقة من سلطة دستورية لكي تتمكن من إتخاذ إجراء كهذا.
وكذلك خالف مشروع المعاهدة الدستور في الفقرة المتعلقة ب" الأمانة العامة" فلقد ترك صلاحية تحديد جميع الامور التنظيمية لتلك الأمانة العامة ل"المجلس الأعلى"، بما في ذلك مهماته ومدى صلاحيته وموازنة جهازه... إلخ. فللأسباب التي أوردناها سابقاً، لا يحق لـ"للمجلس الأعلى" وهو لا صفة دستورية له ، أن يتخذ قرارات يكون لها نتائج تنظيمية ومالية بهذه الخطورة والأهمية. وتنحصر كل الصلاحية بالمجلس النيابي في ما يتعلق بلبنان. وإن ما جاء في المعاهدة الحالية من عبارات مثل "مع مراعاة القوانين اللبنانية وسيادة لبنان" يذكرنا بما ورد في اتفاق القاهرة الملغى.
.ثانيا، جاء مشروع المعاهدة مخالفا للمبادىء الديمقراطية: على رغم تناول مشروع المعاهدة مسائل سياسية وإقتصادية وأمنية جوهرية تؤثر على حياة المواطنين وسياسة البلد ومستقبله، فلقد سُلق سلقاَ، إذ تم وضعه بالسريَة التامة وراء أبواب مغلقة وعلى عجلة ماسة لم نفهم أسبابها أبداً وتمت مفاوضته خلسة، وأُقر بتسرع في مجلس الوزراء في غفلة من الجميع، فلم يطلع عليه الشعب اللبناني لا مباشرة ولا غير مباشرة. فها هو مشروع المعاهدة يجهز للتوقيع وللإحالة على المجلس النيابي في شكل واقع مفروض “DIKTAT” من غير أن يتسنى لأحد أن يبدي رأياً فيه. أن كل ذلك مخالف لأبسط قواعد الديمقراطية التي نتغنى بها بالكلام وبالكتابة، والتي تضرب عرض الحائط عند محك الممارسة والتنفيذ
تجسد هذا التسرع حتى في مضمون مشروع المعاهدة وصياغته/ وأننا نعطي مثلين على ذلك:
1- أصول إقرار توصيات اللجان المستحدثة في المشروع: فلجنتا " الشؤون الإقتصادية والإجتماعية" و "الدفاع والأمن" تتخذان توصيات تعتبر نافذة بعد إعتمادها من المجلس الأعلى مع مراعاة الاصول الدوستورية في كل من البلدين"
أما " لجنة الشؤون الخارجية فتتخذ "الخطط" ( لا التوصيات) لإقرارها من "المجلس الاعلى"(فقط لا غير)
فلماذا أُسقطت عبارة " مراعاة الاصول الدستورية" في لجنة الشؤون الخارجية؟ أفلا ينطبق القانون والدستور اللبناني على أعمال السياسة الخارجية؟
2- مكان اجتماعات الهيئات واللجان المستدثة في المشروع:
- تجتمع " لجنة الشؤون الخارجية" في عاصمة احدى الدولتين بالتناوب.
- ولجنة "الشؤون الاقتصادية والاجتماعية" تجتمع في احدي الدولتين بالتناوب( فسقطت هنا عبارة العاصمة مركز الحكومة)
- أما "المجلس الاعلى"، فلم يلحظ له مثل هذين البندين, وكذلك الامر بالنسبة الى "لجنة الامن والدفاع" هذا فضلا على ان مركز "الامانة العامة" ترك أمر تحديده أيضا ل"المجلس الاعلى".
في الخلاصة إن إنشاء أجهزة دائمة في مشروع هذه المعاهدة، وفي هذا الظرف بالذات ، يؤدي حتما إلى خسارة لبنان إستقلالية قراره وبالتالي سيادته المطلقة. اذ تصبح هذه السيادة نسبية جداً ومنقوصة بعد كل البدع السياسية والقانونية والعسكرية التي إستحدثها المشروع وإتفاق الطائف.
إنني أدعو الحكومة إلى التريث في توقيع المعاهدة اللبنانية - السورية وتعديل نصوصها لكي تأتي متوافقة وإرداة الناس الذين كمت أفواهم ست عشر سنة، ومتطابقة مع نص الدستور وفقاً للملاحظات التي أوردناها.
|