انتقال بالنقاش من الفوضوية في الشارع إلى الموضوعية في المكان الصحيح
لبّي النائب غسان مخيبر أمس دعوة الحكومة إلى النقاش في شأن معاهدة الأخوّة والتنسيق بين لبنان وسوريا والاتفاقيات المنبثقة منها، فحمل إلى القصر الجمهوري ملاحظات قانونية ودستورية، لينقل بذلك النقاش من فوضى في الشارع إلى منهجية قانونية في المؤسسات المعنية
في 21 أيار 1991، اجتمع المجلس النيابي ليصدّق على معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق بين الدولتين اللبنانيّة والسوريّة، انسجاماً مع ما نصَّ عليه اتفاق الطائف. يومها وقف نائب واحد في المجلس النيابي من بين المئة وثمانية وعشرين، ليعترض. وصل الدور في الكلمات إلى ألبير مخيبر ليؤكد بصراحته المعهودة على مرأى ومسمع من كل الناس: «نحن من الذين كانوا وما زالوا يرون أن إقامة علاقات حسن جوار ودّية وأخوية صادقة بين لبنان وسوريا أمر طبيعي، لا بل بديهي. لكننا، من ناحية أخرى، من الذين يتمسكون بمبدأ إرساء هذه العلاقات على أسس واضحة لئلا يساء في المستقبل تأويلها أو تفسيرها، وعلى مبادئ ثابتة أهمها المحافظة على سيادة كل من البلدين واستقلاله وعلى الديموقراطية والحريات العامة وعلى سيادة القانون».
النائب الراحل البير مخيبر رأى أن إعلان النيّات الحميدة في مقدمة مشروع المعاهدة أمر جيد، لكن النصوص التطبيقية والتعامل السياسي بها يخالفان مبدأ الحفاظ على سيادة كل من البلدين واستقلال لبنان وعلى الديموقراطية والحريات العامة وسيادة القانون.
مذّاك، رأى مخيبر أن وجود القوات السورية في البقاع، كما تنص المعاهدة، يتنافى مع استقلال لبنان وسيادته. وعدد 4 مآخذ قانونية على المعاهدة (كانت لا تزال مشروع معاهدة) التي تخالف الدستور:
1ـــــ استحداثها هيئات ذات سلطة تقريرية لا يجيز الدستور مزاولتها إلا من هيئتين، هما مجلسا النوّاب والوزراء. فالدستور يحصر السلطات في مجلس الوزراء والنواب والسلطة القضائية. أما المعاهدة فقد استحدثت سلطة رابعة هي «المجلس الأعلى»، الذي أُنيطت به صلاحيات إجرائية، فخالف الدستور. إضافة إلى أن أعضاءه اللبنانيين لا صفة تقريرية لهم، لا منفردين ولا مجتمعين. وبحسب النائب الراحل، لا يمكن أبداً أن تكون قرارات هذه الهيئة إلزامية لأنها ليست سلطة دستورية.
2ـــــ مخالفتها مبادئ الديموقراطية، إذ أُعدّ مشروع المعاهدة بطريقة سريعة جداً وبسرّية، رغم ارتباط هذه المعاهدة بأمور سياسية واقتصادية وأمنية جوهرية تؤثر في حياة المواطنين وسياسة البلد ومستقبله. وأُقرّ مشروع المعاهدة في مجلس الوزراء قبل أن يطّلع عليه الشعب وممثّلوه بهدوء وتمعّن. وسأل الراحل مخيبر يومها لماذا تنص المعاهدة على أن توصيات لجنتي الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والدفاع والأمن تعدّ «نافذة بعد اعتمادها من المجلس الأعلى مع مراعاة الأصول الدستورية في كل من البلدين، فيما تقول المعاهدة إن «لجنة الشؤون الخارجية تعد «الخطط» (لا التوصيات) لإقرارها من «المجلس الأعلى» (فقط لا غير). كأن ما يصحّ بالنسبة إلى لجنة الشؤون الاقتصادية لا يصح بالنسبة إلى لجنة الشؤون الخارجية.
واختتم مخيبر مداخلته بالتأكيد أن إنشاء أجهزة دائمة سيؤدي حتماً إلى خسارة لبنان استقلالية قراره، وتالياً سيادته المطلقة، إذ «تصبح هذه السيادة نسبية جداً ومنقوصة بعد البدع السياسية والقانونية والعسكرية التي استحدثها المشروع واتفاق الطائف.
وريث ألبير مخيبر، النائب غسان مخيبر، ساعد عمّه يومها في إعداد الدراسة النقدية للمعاهدة، ودأب في معظم المناسبات على توجيه انتقادات إلى المجلس الأعلى اللبناني ـــــ السوري. وفور إعلان مجلس الوزراء نيّته مراجعة المعاهدات والاتفاقيات المعقودة بين لبنان وسوريا وتجميع الملاحظات في شأنها تمهيداً لإعادة مناقشتها مع السلطات السورية المختصة، أبلغ مخيبر رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون أنه ينوي التحرك باتجاه رئيسي الجمهورية والحكومة لإبلاغهما موقفه ـــــ موقف عمه القانوني ـــــ في شأن معاهدة الأخوّة والتنسيق. وهكذا، في موازاة الجعجعة الكثيرة، غير المنتجة، في شأن المجلس الأعلى اللبناني السوري والمعاهدات الموقعة بين البلدين، توجّه مخيبر إلى قصر بعبدا ليسلّم نسخة عن ملاحظاته إلى الرئيس ميشال سليمان الذي «يتولى صلاحية المفاوضة في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية». وطلب موعداً من رئيس الحكومة سعد الحريري ليسلّمه نسخة أخرى عن الملاحظات، وخصوصاً أن المعاهدة الأم التي تتفرّع منها اتفاقيات كثيرة لا تدخل في نطاق عمل أي وزير. ويشير النائب عن أحد المقعدين الأرثوذكسيين في المتن الشمالي أن تحركه يأتي بناءً على قرار شخصي لا قرار مركزي لتكتل التغيير والإصلاح، فهو ليس عضواً في التيار الوطني الحر، ولديه خططه الخاصة في موازاة الحرص على التحالف مع التيّار، مؤكداً أن توقيت حركته مرتبط مباشرة بقرار مجلس الوزراء جمع الملاحظات بشأن الاتفاقيات بين البلدين. وطلب مخيبر في رسالته إلى رئيس الجمهورية تعديل بعض بنود المعاهدة وإلغاء الهيئات الدائمة المنشأة بموجبها، وخصوصاً «المجلس الأعلى» و«الأمانة العامة»، لمخالفتها الدستور اللبناني ولعدم ائتلافها مع تبادل التمثيل الدبلوماسي القائم حالياً، مؤكداً أن لا صفة تقريرية لأعضاء المجلس الأعلى اللبنانيين في النظام الدستوري اللبناني بشأن تنظيم العلاقات الدولية، لا منفردين ولا مجتمعين، باستثناء رئيس الجمهورية الذي يتمتع وحده بصلاحية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية (المادة 52 من الدستور).
في النتيجة، يمكن اعتبار خطوة مخيبر أمس، بغض النظر عن صوابية ملاحظاته أو عدمها، أول خطوة على الطريق الصحيح في ما يخصّ معاهدة الأخوّة والتنسيق بين لبنان وسوريا. فهي تأخذ النقاش من غرائزيته وفوضويته إلى نقاش موضوعي وقانوني في المكان الصحيح، يمكن من خلاله، إذا ثبت أن ثمة وجهة نظر منطقية في كلام المعترضين على المعاهدة ومتفرعاتها، إقناع النظام السوري بأن يعيد بدوره النظر فيها.
|