الدفاع عن حقوق الإنسان وتفعيلها: الإطار العام والحالة اللبنانية

فان الجمعية العامة [للأمم المتحدة] تنشر على الملأ هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بوصفه المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي ان تبلغه كافة الشعوب وكافة الأمم، كما<< يسعى جميع أفراد المجتمع وهيئاته، واضعين هذا الإعلان نصب أعينهم على الدوام، ومن خلال التعليم والتربية، الى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات، وكيما يكفلوا، بالتدابير المطردة والدولية، إلاعتراف العالمي بها ومراعاتها الفعلية، فيما بين شعوب الدول الأعضاء ذاتها وفيما بين شعوب الأقاليم الموضوعة تحت ولايتها على السواء، …>> الفقرة الأخيرة من مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
منذ مصادقة الجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس بتاريخ ١٠ كانون الأول ١٩٤٨ على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهذا النص يخاطب كل انسان ويذكره بواجب كل فرد وهيئة في العمل على تحقيق الحقوق والحريات التي أعلنت للملأ ويدعوه الى ترجمتها على أرض الواقع.
وفي مناسبة الإحتفال باليوبيل الخمسين لهذا الإعلان في ١٠ كانون الأول ١٩٩٨، سوف يكون هذا الدور المدعو اليه كل فرد وهيئة موضوع اهتمام خاص، فتقر الجمعية العامة للأمم المتحدة اعلانا آخر عنوانه “الإعلان عن حق وواجب المجموعات ومؤسسات المجتمع في الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالمياً وتفعيلها”، وسوف يعرف إختصاراً “بإعلان حماية مدافعي حقوق الإنسان”. ويؤكد هذا الإعلان مدى أهمية دور المواطنين، لأنه لا يمكن أن تتحول هذه الحقوق من حيز المبادئ الى حيز الواقع، إلا من خلال الممارسة الدائمة لها من قبل الأفراد والجماعات، والعمل الدؤوب على حمايتها.
ويبقى هذا الدور في غاية الأهمية، بالرغم من ان المسؤولية في الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها تقع أولاً على عاتق السلطات الدستورية الثلاث في الدولة، وقد التزمت الدولة بذلك عند ابرامها معاهدات حقوق الإنسان الدولية المختلفة؛ وقد أعاد “إعلان حماية مدافعي حقوق الإنسان” في مقدمته التذكير بهذه المسؤولية، كما يعيد التذكير به العديد من الصكوك الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان[١]. فواجب السلطة الإشتراعية هو السهر على أن تكون جميع التشريعات الوطنية متوافقة مع المعايير الدستورية والعالمية لحقوق الإنسان؛ وواجب السلطة الإجرائية السهر على حسن تطبيق هذه القوانين وعدم السماح بانتهاك الحقوق والحريات المصانة وتأديب من يخالف؛ وواجب السلطة القضائية السهر على ملاحقة الجرائم الواقعة على الحريات والحقوق ومحاكمة المخالفين أياً كانوا. لكن الواقع المؤسف يتجلّى في غالب الأحيان، بتخاذل هذه السلطات في تنفيذ واجباتها، فيمسي عدد كبير من الحقوق والحريات المعلنة في الشرعة العالمية لحقوق الإنسان منتهكاً على أرض الواقع.
ولا يشذ لبنان عن هذه القاعدة، فالعمل فيه كثير والحاجة للعاملين كبيرة. صحيح أن هناك حريات في لبنان، وأنه لا تسوده شريعة الغاب. لكنه صحيح أيضاً أنه ما زال هناك فيه العديد من الحقوق والحريات الأساسية المنتهكة على أرض الواقع في النصوص وفي الممارسات. فإن الصورة الحقيقية في هذا المضمار كالضوء عند المغيب، يختلط فيه النور بالظلمة بنسب متفاوتة بحسب الوقت والزمن، وكالكوب الذي يكون جزئه مليئ وجزئه الآخر فارغاً، فلا يرى البعض من الناس الجزء الأول ويرى البعض الآخر الجزء الثاني. لذلك، يجب ألا يقع التقييم، سلباً أم إيجاباً، في فخ الكلام عن “الحرية” بالمفرد، لكن أن يكون الكلام والتقييم عن “الحقوق والحريات”، فيجري تقييم كل منها على حدة قياساً على المعايير المعتمدة دولياً.
واذا ما أجرينا تقييما سريعا لواقع حقوق الإنسان والحريات الأساسية في لبنان يتبين لنا أنها تتفاوت في درجات انطباقها على معايير حقوق الإنسان، فتقع ضمن إحدى الفئات الثلاثة التالية:
الفئة الأولى هيالحريات التي تتفق الى حد كبير مع مبادئ الإعلان العالمي بالنص القانوني وفي واقع الممارسة. ومن الأمثلة على ذلك: حرية المعتقد الديني وممارسة شعائرها.
الفئة الثانية هيالحريات التي تتفق نصوصها الى حد كبير مع مبادئ إلاعلان العالمي وتقع مخالفتها وانتهاكها في الممارسة. ومن الأمثلة على ذلك: حرية الجمعيات، وأصول الإستجواب والتوقيف في معرض الملاحقة الجزائية.
الفئة الثالثة هيالحريات التي لا تتفق نصوصها مع الإعلان العالمي والتي يتفاوت التشدد في تطبيقها من قبل سلطات الدولة. ومن الأمثلة على ذلك: حرية تأسيس المطبوعات الدورية واستعمال المناشير.
ان هذه إلانتهاكات وغيرها، والتي اختبرها كل مواطن في ممارسته المعيوشة، أو في ما يسمعه في محيطه، أو في ما يقرأه في وسائل الإعلام، كل هذه المخالفات تستصرخ ضميره، وتدعوه للمساهمة في العمل للدفاع عن حقوق الإنسان ولتعزيزها، لا أن يتبع المقولة الشائعة: “حادت عن ظهري … بسيطة”؛ لأن كل انسان معرض لأن يكون ضحية ممارسة شاذة، ما لم تصطلح الأمور وتستقم الدولة التي يسودها القانون الذي يحترم فعلياً جميع الحقوق والحريات المعلنة.
لذلك، كانت الحاجة الى هذا المقال، المبني على اختبار محلي في لبنان، وكأنه يجيب على سؤال مواطن: كيف أكون ناشطاً في مجال حقوق الإنسان في لبنان وفاعلاً في الدفاع عنها وتعزيزها؟ ونستعرض من خلال أقسامه الأربعة، مجموعة من المسائل الأساسية التي تتعلق بنشاط حقوق الإنسان وهي على التوالي: أولاً، ماهية حقوق الإنسان ومعاييرها؛ ثانياً، النشاطات المختلفة المتاحة؛ ثالثا، أطر العمل التنظيمية؛ رابعاً، المواقف والسلوكيات حيال هيئات حقوق الإنسان ومنها.
وهذا المقال ككل “دليل” يسعى لأن يكون مقتضباً تعميماً للنفع، يثير جدليات ذات أهمية كبيرة لا تمكن معالجتها بالتفصيل الذي تستحق. وفي مطلق الأحوال، يبقى الإختبار والعمل على أرض الواقع إفرادياً أو ضمن هيئة، والممارسة اليومية للحقوق والحريات، خير دليل على كيفية تحويل كل فرد الى مواطن، وعلى كيفية تقريب كل إنسان في لبنان كل يوم أكثر من “المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي ان تبلغه كافة الشعوب وكافة الأمم”.
 
 
أولا: ماهية حقوق الإنسان ومعاييرها
لا بد لكل من يقرر العمل في سبيل الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها، أن يكون ملماً إلماماً عميقاً بالحقوق والحريات موضوع نشاطه. لذلك، لا بد في مستهل هذا المقال أن نتطرق إلى تحديد ماهية حقوق الإنسان في مفرداتها ومصادرها ومعاييرها الدولية واللبنانية، وذلك دون أن ندخل في تفاصيل مفاهيم حقوق الإنسان وتاريخ تطورها ودون أن نجري عرضاً لها، لأن ذلك يتجاوز كثيراً اطار هذا المقال وأهدافه. لكنه لا بد لنا من وضع اطار عام لمفاهيم الحريات والحقوق ضمن محاور أساسية مرتبطة بمجالات العمل وبتنظيمه.
 
١ – مفردات حقوق الإنسان:
أول ما يستوقف من يتولى شأن حقوق الإنسان، كثرة المفردات المستعملة للإشارة اليها، ومنها: الحريات والحقوق، الحريات الأساسية، الحريات العامة، الحق الإنساني، حقوق الإنسان. ان لكل من هذه العبارات جذوراً في تاريخ تطور ونمو حقوق الإنسان ونوها على كل من الأصعدة الفلسفية والسياسية والقانونية وضمن كل من الأطر الوطنية والعالمية، ولها مبررات في القواعد والمعايير الخاصة بكل منها. وسوف نوضح مفاهيمها بإيجاز كلي في ما يأتي:
ان الفارق بين الحريات والحقوق دقيق جداً، لذلك تستعمل العبارتان عادة بالتلازم إحداهما مع الاخرى. الحريات هي “حقوق دفاعية”، بموجبها يمكن أن يصد أي فرد (أو مجموعة ما) تدخل الدولة أو أي شخص آخر في كيانه الذاتي الجسدي أو الفكري، فيمنعوا من التدخل في مساحة تسود فيها ارادته المطلقة (كحرية الذهاب والإياب، وحرية الرأي والمعتقد، وحرية التجمع). أما استعمال عبارة “الحقوق”، فهي للإشارة أكثر الى “الحقوق المطلبية”، بموجبها يمكن أن يطالب الفرد من الدولة تأدية عمل أو خدمة ما (كالحق بالتنمية، والحق بالعلم والعمل، والسكن … الخ).
أما عبارة “الحريات الأساسية”، فهي تستعمل غالباً في الصكوك الدولية بالتلازم مع عبارة حقوق الإنسان وبتوأمة لغوية معها تأكيداً على أهميتها القصوى من ضمن مجمل الحقوق المختلفة المعلنة. وهي تشير بشكل أساسي الى مجموعة الحريات المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهي الحريات الملازمة لإنسانية الإنسان والتي يغلب عليها الطابع القانوني، والتي تكون ممارستها شرطا من شروط تحقيق الحقوق والحريات الأخرى وسبيلاً اليها (مثلاً: حرية الرأي، حرية الجمعيات، حرية الذهاب والإياب، الحق بالسلامة الشخصية).
أما عبارة “الحريات العامة”، فهي كثيرة الاستعمال لأسباب تاريخية في العلم القانوني الفرنسي وقد اتبع لبنان هذا الاستعمال في الفقرة (ج) من مقدمة الدستور. واستعمال عبارة “العامة” فيها هو بشكل أساسي، للتشديد على أن هذه من نوع الحريات التي يتمتع بها الأفراد والجماعات في مواجهة السلطة العامة-الدولة، ولتفريقها عن الحريات الخاصة التي يتمتع بها الأفراد بمواجهة أفراد آخرين ومنها على سبيل المثال، حرية التعاقد. ان هذه التسمية عرضة لانتقادات شديدة، لأنها من الناحية اللغوية، لا تشمل جميع الحريات والحقوق التي تعنيها. لكن، وإن فضل العلم وإلاجتهاد عبارة “الحريات الأساسية” عليها، يبقى ان هذه عبارة الحريات العامة شبيهة بالمفهوم القانوني للحريات الأساسية الذي استعرضناه.
أما “الحق الإنساني”، فهو مجموعة القواعد التي ترعى العلاقات بين الدول خلال الأعمال الحربية، وهي أيضا معروفة بقانون الحرب. وقد نصت عليها بشكل أساسي اتفاقيات جنيف الأربعة (١٩٤٩) والبروتوكولان الإضافيان الملحقان بها (١٩٧٧)[٢]. وينظر الى الحق الإنساني على انه جزء من حقوق الإنسان الذي يطبق في إطار النزاعات العسكرية الدولية. وعلى سبيل المثال: ان انتهاكات اسرائيل كسلطة محتلة في جنوب لبنان تقع ضمن اطار أحكام الحق الإنساني؛ في حين أن إلانتهاكات والمخالفات الواقعة ضمن باقي الأراضي غير الخاضعة للإحتلال الإسرائيلي تقع ضمن إطار أحكام شرعة حقوق الإنسان[٣].
 
اما عبارة “حقوق الإنسان” فهي الأشمل، وتضم جميع المفاهيم الأخرى وتتجاوزها حتى الى حقوق “جديدة” التي يطلق عليها احياناً تسمية “حقوق الجيل الثالث” ومنها الحق بالتنمية والحق ببيئة سليمة، والحقوق المتعلقة بآداب البيولوجيا. ان مجمل هذه الحقوق معلنة مبادئها في “شرعة حقوق الإنسان” المؤلفة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (١٩٤٨) و”العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” (١٩٦٦) و”العهد الدولي الخاص بالحقوق إلاقتصادية وإلاجتماعية والثقافية” (١٩٦٦)[٤]. يضاف الى تلك الصكوك ألاساسية معاهدات أخرى عديدة لها مكانة القانون الملزم في الدولة التي أبرمتها، واعلانات ومعايير عديدة صدرت بقرارات عن هيئات دولية واقليمية مختلفة لها قوة معنوية كبيرة شبه قانونية، ترسي إطاراً عرفياً وتفصيليا لبعض الحقوق المعلنة بشكل عام ضمن المعاهدات[٥].
وتجدر الإشارة الى أن مروحة حقوق الإنسان الواسعة جداً، تتضمن حقوقاً وحريات لا يشير اليها الحريصون على الدفاع عنها بالضرورة على أنها من حقوق الإنسان. ومنها على سبيل المثال: حقوق المعوقين، حقوق المرأة، حقوق الطفل، وهي جميعها من حقوق الإنسان. فإذا سألت العديد من الناشطين في هذه المجالات لقالوا انهم ليسوا من جمعيات حقوق الإنسان، فيكونون بالتالي، ومنذ زمن طويل في لبنان، يعملون في الدفاع عن حقوق الإنسان دون أن يعوا ذلك تماماً، كما كان “موسيو جوردان” في مسرحية البخيل لموليير، يكتب النثر دون أن يعلم.
وبالتالي، وان كان اطار حقوق الإنسان واسعاً جدا كما اسلفنا بيانه، فإن الممارسة الشائعة والصورة المتكونة لدى الرأي العام، حصرت في بالواقع تسمية حقوق الإنسان بالحريات الأساسية.
٢ –      حقوق الإنسان: بين الفلسفة والسياسة والقانون
كثيراً ما تكون النظرة الى معايير حقوق الإنسان والعمل على الدفاع عنها متباينة، فتختلط فيها الأبعاد الفلسفية والسياسية والقانونية:
فالبعض يضعها في الإطار الفلسفي والحلم بالمثاليات، ويضع العاملين في حقل حقوق الإنسان في مصاف الحالمين، غير المتصلين بأرض الواقع. في حين أنه وان نشأت أفكار حقوق الإنسان أولاً وتبلورت على أيدي فلاسفة كبار، وإن وضعت المعايير في موقع يليق بكرامة الإنسان “كمثل أعلى مشترك تسعى الى بلوغه جميع الشعوب والأمم”[٦]، فان المواضيع العديدة التي يسعى الى الدفاع عنها بعيدة عن الفلسفة، تتطلب معالجات آنية وسريعة، وتتعلق بمخالفات وانتهاكات يمكن أن تطال أياً كان، ومنها على سبيل المثال: خرق حرمة المنازل والمراسلات والتنصّت على المخابرات، والتوقيف خلافاً الأصول دون اعطاء حق الدفاع، والتعذيب والمعاملات المحطة بالكرامة الإنسانية، والحد من حرية ابداء الرأي، ومنع الإجتماعات والجمعيات والمظاهرات … الخ.
كما أن البعض الآخر يخلط بين العمل في مجال حقوق الإنسان والعمل السياسي، فيراها وجها من أوجهاً السياسة؛ كما يعتبر هذا البعض أن عدداً كبيراً من الأنظمة السياسية والسياسيين يستعملون، أو يستغلون، معايير حقوق الإنسان بمفاهيمها العامة والنظريات كأدوات في الجدل السياسي. وبطبيعة الحال، يمكن القول ان حقوق الإنسان في صلب السياسة باعتبارها تقوم على تنظيم علاقة الفرد بالسلطة؛ لكنه يبقى ثابت أن حقوق الإنسان تأتي في مرتبة أسمى من السياسة، بمعنى أنها، وبالنظر لقيمتها السامية على القوانين الوطنية، تلزم الدول التي التزمت معاييرها أن تتجه سياساتها وقوانينها بالإتجاه الذي خطته معايير شرعة حقوق الإنسان.
هذا مع التأكيد أن حقوق الإنسان (وخاصة الحقوق المدنية والسياسية) أصبحت الآن مادة من مواد القانون الدولي والوطني، لها تقنياتها، وآلياتها، واجتهاداتها الخاصة، وفيها من الدقة والرصانة، ما يضعها في منأى من أن تكون موضوع استغلال آني لبعض السياسيين كما يخشى بعض الغيارى.
٣ –      حقوق الإنسان: بين المعايير العالمية والقوانين الوطنية
يخال للبعض أن حقوق الإنسان بعيدة المنال، كونها موضوعة من “الخارج” وهي تقع ضمن القانون الدولي الذي ترعاه منظمات معقدة في عملها، مركزها في دول الغرب ما بين جنيف ونيويورك؛ كما يزعم البعض أن تلك المعايير الدولية لا تصلح أن تطبق على الواقع اللبناني لأنها لا تأخذ بعين الإعتبار الواقع إلاجتماعي والسياسي اللبناني، وهي بالتالي غير قابلة للتطبيق في لبنان دون تعديل يتناسب مع واقع لبنان “الخاص”.
ان جميع هذه الفرضيات المساقة إما عن حسن نية أو عن جهل أو عن سوء نية تهرباً من تطبيق معايير حقوق الإنسان، هي مرضيات خاطئة، وذلك للأسباب التالية:
أولا:  ان المبادئ التي تضمنتها شرعة حقوق الإنسان أصبحت من القواعد القانونية اللبنانية من المستوى الدستوري، منذ إدراجها بالعبارة الصريحة في مقدمة الدستور؛ وقد وصف الدستور الحريات العامة بأنها الأساسات التي تقوم عليها الجمهورية اللبنانية، وأعلن التزام لبنان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأقام موجباً على عاتق الدولة بأن تجسد هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء[٧]. هذا وتجدر الإشارة أيضاً الى أن الدستور اللبناني الصادر سنة ١٩٢٦، تضمن في فصله الثاني وعنوانه “في اللبنانيين وحقوقهم وواجباتهم” تسعة مواد تمثل شرعة حقوق وحريات أساسية مصانة دستورياً[٨].
ثانيا:    إن المعاهدات الدولية المختلفة المتممة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي أبرمها لبنان حسب الأصول، أصبحت جزءاً من القانون الوضعي اللبناني، وهي في مرتبة أسمى من القانون. ومن النتائج العملية لذلك، أنه “… عند تعارض أحكام المعاهدات الدولية مع أحكام القانون العادي، تتقدم في مجال التطبيق الأولى على الثانية”[٩]، وذلك بقرار مباشر من القاضي الناظر في خلاف أو طعن معينين. هذا ونشير الى أن لبنان لم يبرم بعد عدداً من المعاهدات وإلاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان[١٠]، أو أنه أبرم بعضها مع تحفظات[١١]. وبالتالي، على كل ناشط في مجال حقوق الإنسان أن يكون ملماً بالمعاهدات النافذة في لبنان لكي يتخذ الموقف الملائم في عمله: فأما الضغط باتجاه تطبيق القانون النافذ، وأما المطالبة بابرام المعاهدات.
ثالثا:    العديد من المبادئ التي تضمنتها الشرعة العالمية لحقوق الإنسان نصت عليها قوانين لبنانية. ومنها على سبيل المثال: فرضية أن كل شخص بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة علنية، وأن الشك يفيد المتهم، ومبدأ عدم تطبيق القوانين الحديثة على الحالات التي سبقتها، مبدأ أن تأسيس الجمعية لا يحتاج أي ترخيص، … الخ.
رابعا:  إن حقوق الإنسان “عالمية، وغير قابلة للتجزئة، ومعتمدة بعضها على البعض الآخر، ومتعلق بعضها ببعض[١٢]، ولا يرقى الى صفتها العالمية أي شك. وبالتالي، ونظراً لطبيعتها العالمية، فهي لا تتأثر بأية خصوصية جغرافية أو سياسية، ويفترض أن تعتمد مبادئها دون تعديل. كما أن أية حجج تتعلق بأية “خصوصية” لا تكون إلا من قبيل التبريرات الواهية للتملص من احترام مبادئ حقوق الإنسان. كما أنه لا يمكن التذرع بمبادئ تعلق الحقوق والحريات وترابطها بعضها بالبعض للتملص من احترامها. وبهذا المعنى مثلا، نصت الفقرة العاشرة من اعلان فيينا لسنة ١٩٩٥ أنه لا يحق للدول الأعضاء التذرع بعدم تحقيق الحقوق إلاقتصادية في التنمية للتملص من مسؤولياتها وقمع حقوق الإنسان.
٤ –     الحدود الجائز وضعها لمبادئ حقوق الإنسان:
السؤال الذي يطرح نفسه هو ما اذا كان لحقوق الإنسان من حدود ممكنة، وكيف يكون وضعها؟ وهذا السؤال يطرح الجدلية المتعلقة بحقوق الفرد تجاه الجماعات، والمجتمع، والدولة ككل، بالإضافة الى دور المحاكم في تفسير القوانين والرقابة على مدى توافقها ومبادئ حقوق الإنسان.
ان المبدأ في كل مادة من مواد حقوق الإنسان هو الحرية، وإلاستثناء هي القيود التي لا يمكن أن توضع إلا بقانون صادر عن السلطة التشريعية. وبالتالي، فإن كل شيء او عمل غير ممنوع بصراحة النص القانوني هو مسموح؛ وأما القيود القانونية، في ما يسمى أحيانا “بالتنظيم”، فتفسر حصريا وبشكل ضيق، وفي حال غموض النص، يفسر دائما لمصلحة الحرية وليس القيود. ومن الأمثلة على هذا المبدأ، المواد الواردة في الفصل الثاني من الدستور اللبناني، ومنها المادة ١٤ التي نصت على أن “للمنزل حرمة لا يسوغ لأحد الدخول اليه إلا في الأحوال والطرق المبينة في القانون”.
ويبقى السؤال عن المدى الذي يمكن أن يأخذه القانون نفسه في الحد من الحرية. والخشية طبعاً أن يكون الدستور أو المعاهدات الدولية أعطت بيد في المبدأ العام، ما تأخذه القوانين باليد الأخرى، فتمسي بذلك المبادئ المعلنة حبراً على ورق. لقد اجاب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نفسه عن هذا السؤال، فوضعت المادة ٢٩ منه الحدود والقيود التالية على ممارسة حقوق الإنسان كما وضعت قيوداً ومعايير على القوانين بالذات:
فذكرت اولاً بواجب الفرد نحو المجتمع “الذي يتاح فيه وحده لشخصيته ان تنمو نمواً حراً كاملا”.
واضافت: “يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان إلاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة وإلاخلاق في مجتمع ديمقراطي”.
كما وضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حدوداً لممارسة هذه الحقوق في ما يتناقض مع أغراض الأمم المتحدة ومبادئها، فأضافت المادة ٣٠ منه: “ليس في هذا إلاعلان أي نص يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على تخويل أية دولة او جماعة او أي فرد اي حق في القيام بأي نشاط او بأي فعل يهدف الى هدم أي من الحقوق والحريات المنصوص عليها فيه.” مثلاً، كأن تصل جماعة الى سدة السلطة ديمقراطياً، وتلغى بعد ذلك الحياة الديمقراطية برمتها؛ في ما تعبر عنه الصيغة المأثورة التالية: “لكل مواطن بالتساوي صوت واحد … مرة واحدة !!”.
وتبقى المراسيم والقرارات إلادارية خاضعة للتقييم الدقيق الذي تجريه المحاكم، للتأكد من توفر هذه المعايير الآنفة الذكر فيها. فعلى سبيل المثال، قد تأتي الحكومة أو ادارة معينة فيها بعمل قمعي، تبرره بضرورة الحفاظ على “أمن الدولة” أو الآداب العامة؛ ففي مثل تلك الحالات، على المحاكم اذا ما جرى الطعن بهذا القرار أمامها أن تتحقق من الآتي:
– من ان المبررات كانت فعلاً تتعلق بالأمن والنظام العام او الأخلاق.
– وانه لم يكن للادارة سبيل آخر ممكن، إلا الحد من الحرية أو تقييدها مؤقتاً للمحافظة على النظام والمصلحة العامة؛
– كما تقيم هذه الأعمال على ضؤ المعيار الديمقراطي، للتأكد من ان هذه الأعمال المقيدة للحريات تخلو من أغراض وأهداف غير ديمقراطية (كأن تسعى السلطة الى منع المعارضة وضربها تحت غطاء “امن الدولة” والسلامة العامة).
فإذا لم تتوفر هذه الشروط في القرار الإداري، أبطلته المحاكم المختصة لمخالفته مبدأ الحرية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن مثل هذه الرقابة لا تنحصر فقط بالأعمال الإدارية، بل يمكن أيضاً إجراءها على القوانين اذا ما توفرت شروط تقديم الطعن به لدى المجلس الدستوري، وهو الهيئة القضائية الصالحة للنظر بالطعون الموجهة لإبطال القوانين المخالفة للدستور.
كما ينبغي التنويه بأن للمحاكم دوراً هاماً تلعبه في توضيح مدى الحرية او الحق الذي يكون جرى اعلانه في صيغة عامة وشاملة. فتعمل بذلك على تطوير القانون عبر استنباط الأحكام التفصيلية التي تنتج عن المبدأ المعلن. ونورد على سبيل المثال حرية الجمعيات، التي أوضح المجلس الدستوري الفرنسي في قرار شهير صادر سنة ١٩٧١، أنها تتضمن الحق بتأسيس الجمعية دون ترخيص مسبق أو تدخل من الإدارة[١٣].
هذا وينبغي في ختام هذا القسم المخصص لبعض المسائل المتعلقة بماهية حقوق الإنسان ومعاييرها، التأكيد على أن العمل لحماية حقوق الإنسان وتعزيزها، يجب أن يتركز على الحريات والحقوق وفق الحاجات والأولويات التي يقتضيها الواقع القانوني والسياسي وإلاجتماعي اللبناني. من هنا فإنه يجب العمل على المحافظة على القوانين والممارسات إلادارية المتفقة مع المعايير العالمية لحقوق الإنسان، والعمل على تعديل القوانين والممارسات غير المتفقة مع هذه المعايير الدولية، وذلك عبر تنفيذ مشاريع ونشاطات مختلفة سوف نستعرض أبرزها في ما يأتي.
ثانيا: نشاطات العمل في مجال حقوق الإنسان
هناك مجموعة كبيرة من النشاطات التي يمكن للأفراد والجماعات في المجتمع القيام بها من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها ضمن كل من الإطارين المحلي والدولي. ويمكن أن تقسم هذه النشاطات الى أربعة فئات رئيسية متداخلة ومترابطة هي: التعليم والتربية، الرصد ووضع التقارير، العمل القضائي، والضغط الإداري والتشريعي. وسوف نستعرض كل منها بأيجاز في ما يأتي، مقدمين بعض الأمثلة عن النشاطات المستقاة من التجربة اللبنانية.
١ –     التربية على حقوق الإنسان وإلاعلام عنها ونشرها:
ان التربية على حقوق الإنسان والإعلام عنها هما العمل الأول في مجال حقوق الإنسان، والأكثر انتشاراً في العالم وفي لبنان. ولا عجب في ذلك، لأن أية ممارسة لأي حق أو حرية وأي عمل أو مطالبة، يجب أن تبنى أولاً على معرفة مدى الحرية المتوفر والحدود الموضوعة لها، وذلك ليس في المبادئ العامة المعلنة في الشرعة العالمية لحقوق الإنسان وحسب، بل أيضاً في كل من القوانين الوضعية التي تتعلق بكل من الحقوق والحريات، وفي الممارسة على أرض الواقع لكل منها. كما أن المعرفة الدقيقة للمعايير المعلنة دولياً، تسمح للمواطنين وللناشطين في مجال حقوق الإنسان بقياس مدى انطباق التشريعات والممارسات المحلية على المعايير الدولية؛ فيعملون مثلاً على تعديلها اذا لم تتفق مع هذه المعايير، ويصّرون على ممارسة حقوقهم وحرياتهم الى أقصى الحدود الممكنة اذا كانت هذه القوانين متفقة مع تلك المبادئ.
لقد كانت معرفة الحقوق والحريات وتعليمها الدافع الأساسي لوضع “اعلان حقوق الإنسان والمواطن” الصادر في عن الجمعية العمومية الفرنسية في ٢٦ آب ١٧٨٩، الذي اعتبر في مقدمته[١٤] أن “جهل حقوق الإنسان أو نسيانها أو إزدراءها هي الأسباب الوحيدة للمصائب العامة ولفساد الحكومات”، لذلك كانت الحاجة لعرض الحقوق والحريات والإعلان عنها (وليس انشائها) بشكل مبسط يسهل فهمه والعمل على أساسه، “لكي ما يبقى هذا الإعلان حاضرا على الدوام نصب أعين جميع اعضاء الجسم إلاجتماعي، فيذكرهم دوما بحقوقهم وبواجباتهم؛ […] ولكي ما تصبح مطالبات المواطنين، المبنية على مبادئ بسيطة وغير منازع فيها، متجهة دوماً نحو تعزيز الدستور وسعادة الجمي”[…] “
 أما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فقد أعاد التأكيد بدوره في الفقرة الأخيرة من مقدمته[١٥] وفي صيغة مشابهة جدا للإعلان الفرنسي على أهمية “التعليم والتربية” كوسيلة أولى من وسائل حماية وتوطيد احترام حقوق الإنسان. وقد صدرت بعد ذلك مجموعة كبيرة من المعاهدات والقرارات الدولية التي أعادت التأكيد على أهمية التعليم والتربية وضمنتها في الموجبات التي تأخذها الدول على عاتقها[١٦]، كما صدر عدد كبير جداًمن البرامج والمواد التعليمية والتدريبية في هذا المجال.
إن هذه المعرفة تكتسب في غالب الأحيان طابع التقنية القانونية العالية. فالقوانين غالباً ما تكون معقدة ويتشابك فيها المبدأ العام المعلن بمجموعة غالبا ما تكون كبيرة من النصوص التشريعية والإدارية والأحكام القضائية. لذلك فان العمل في مضمار الثقافة والتعليم يغطي مروحة كبيرة من المقاربات: من العرض العام والمبسط لمفاهيم الحقوق والحريات، الى الدراسة التفصيلية للقوانين المحلية وآلياتها.
فإذا كان الجمهور الذي يتوجه اليه عمل التثقيف والإعلام مجموع المواطنين، تكون الحاجة حينئذ كبيرة لعروض مبسطة وواضحة تعميماً للنفع لأكبر عدد ممكن من المواطنين. اما إذا توجه التعليم أو التدريب بشكل خاص الى بعض المهن الأكثر إتصالاً بالحقوق والحريات المطلوب حمايتها وتعزيزها، فيكون في هذه الحالة أكثر تخصصاً وتفصيلاً وتقنية؛ ويندرج في مقدمة هذه المهن المحامون والقضاة، والمساعدين القضائيون، وأفراد الضابطة العدلية والقوات المسلحة، والأطباء. كما أن بعض المعاهدات الدولية لحظت هذا الموجب بشكل أحكام خاصة فيها، تشديداً على أهمية هذا التعليم المتخصص في العمل باتجاه الحد من الإنتهاكات الواقعة على حقوق الإنسان[١٧].
ولتحقيق هدف التربية على حقوق الإنسان وتعليمها هناك وسائل عديدة يمكن استعمالها نستعرضها بأيجاز في ما يلي؛ وتجدر إلاشارة الى أن التجربة اللبنانية كانت غنية في مثل هذه النشاطات، حتى ولو أن الحاجة ما تزال كبيرة الى زيادة انتشارها وصولاً الى أكبر عدد ممكن من المواطنين.
التعليم المدرسي والجامعي:
ان لتعليم حقوق الإنسان في المدارس وفي الجامعات تأثيراً بالغاً اذا ما اعتمد بشكل واسع، لأنه يطال عدداً كبيراً من الناس بشكل دائم ومنتظم، ويضع بمتناولهم المعلومات اللازمة التي تؤهلهم ليكونوا مواطنين فاعلين في مجتمعهم. فعلى الصعيد المدرسي، ادخلت المناهج الجديدة مواضيع حقوق الإنسان باشكال ومنهجيات مختلفة (بما فيها بعض التمارين العملية) ضمن مادة التربية الوطنية والتنشئة المدنية. وتعتبر هذه الخطوة ايجابية جداً، وإن كانت ما تزال دون المستوى المرجو. أما على الصعيد الجامعي، فان تعليم مادة حقوق الإنسان تقتصر على كليات الحقوق والعلوم السياسية، بمادة تدعى “الحريات العامة”. كما أن بعض الجامعات ادخلت بمبادرات خاصة مادة حقوق الإنسان لتصبح في متناول جميع الطلاب؛ كما ادخلت بعض الجامعات الأخرى مادة حقوق الإنسان ضمن مواد ومواضيع أخرى. لكن يبقى أن هذه المبادرات الفردية، على أهميتها، لا تصل إلا الى عدد محدود نسبياً من الطلاب، وينبغي العمل على تعميم هذه التجارب، وإغناء مناهج ومواد تعليم حقوق الإنسان ان في المدارس أو في الجامعات وفي الجمعيات الشبابية، وتدريب عدد أكبر من الأساتذة ليتمكنوا من الوصول بمفاعليه الى عدد أكبر من التلامذة والطلاب.
الندوات والمحاضرات:
ان المحاضرات هي من وسائل الإتصال المباشر بالمواطنين لإعلامهم عن حقوقهم وحرياتهم. وقد نظم عدد كبير من الأندية والجمعيات محاضرات في تلك المواضيع، ويجب ازدياد هذه النشاطات السهلة وغير المكلفة ذات الفائدة الكبيرة.
أما الندوات والمحاضرات العلمية والندوات التدريبية الخاصة فقد تزايد تنظيمها هي أيضا من قبل هيئات مختلفة (من جامعات، وجمعيات ونقابات) بهدف تسليط الضوء على حرية من الحريات وتقييمها بالتفصيل واقتراح الحلول المناسبة لتعزيزها. كما ينبغي الإكثار من تنظيم الندوات التدريبية الخاصة تحقيقاً لهدف التثقيف المتخصص المتوجه الى أفراد المهن الأكثر اتصالاً بالحقوق والحريات وإلانتهاكات الواقعة عليها، وفي مقدمتها أفراد الضابطة العدلية. وتجدر الإشارة في هذا المجال الى أن نقابة المحامين في بيروت بادرت الى تأسيس “معهد حقوق الإنسان” وهدفه العمل على تنظيم المحاضرات والندوات الخاصة بحقوق الإنسان والتدريب عليها.
المنشورات والمطبوعات غير الدورية:
يمكن أن يكون للمنشورات والمطبوعات أثر عميق في أيصال مواد سهلة القراءة الى أكبر عدد ممكن من القراء، خاصة اذا ما عرضت المواد بشكل مبسط ومقتضب. ومن الأمثلة على ذلك توزيع نص الشرعة العالمية لحقوق الإنسان وتوسيع انتشارها الى أقصى الحدود (عبر كتيبات مجانية وملصقات جدرانية) وإصدار الكتيبات التي تساعد المواطن على معرفة حقوقه. كما يمكن أن تكون هذه المنشورات متخصصة وغنية بالمواد والدراسات التفصيلية للحقوق والحريات؛ وقد نشطت في الآونة الأخيرة مثل هذه الإصدارات في لبنان، خاصة عقب تنظيم بعض الندوات التي نشرت محاضراتها ومناقشاتها. ومما لا شك فيه أن ذلك سوف يغني شيئاً فشيئاً المكتبة القانونية اللبنانية المتخصصة بالحريات الأساسية[١٨].
إلاعلام والمطبوعات الدورية:
للإعلام بوسائله المختلفة، المقروءة والمرئية والمسموعة، دور هام جداً يلعبه في مجال نشر المعرفة عن الحقوق والحريات. وقد قام عدد من الإذاعات والتلفزيونات بتحضير برامج في مواضيع شتى تخللتها آراء لقانونيين سلطت الضوء على الجانب القانوني منها، فساهمت في نشر المعلومات المتعلقة بالحقوق والحريات الأساسية. أما الصحف والمجلات، فهي الأخرى ساهمت في هذه الجهود عبر نشر مقالات وتحليلات في معرض وقوع حوادث تتعلق بمخالفة احد الحقوق والحريات، وكذلك عبر منشورات دورية متخصصة.
٢ –     الرصد ووضع التقارير:
إن هذه الوسيلة هي الأكثر التصاقاً بالصورة التي يكونها الجمهور عن نشاطات مؤسسات حقوق الإنسان، خاصة الأجنبية منها، لما لهذه الوسيلة من بعد اعلامي، وهي تفيد كشف الإنتهاكات والمسؤولين عنها وتبيان مدى مخالفتها لمعايير حقوق الإنسان.
ويتمثل هذا العمل برصد ومتابعة الأحداث المتعلقة بحقوق الإنسان والتحقق منها، وتضمينها في تقرير وتقييمها قياساً على المعايير الدولية والوطنية لحقوق الإنسان؛ كما يمكن أن تتضمن التقارير أيضاً اقتراح العمل المطلوب لإزالة المخالفة أو إلانتهاك. وقد تضع الهيئة تقريراً في معرض كل مخالفة، أو تقريراً عاماً في نوع من أنواع المخالفات خاصة اذا ما تكررت، أو تضع تقارير عامة تتعلق بمجموعة من المخالفات الواقعة ضمن دولة معينة أو بها جميعاً.
أما نتيجة هذا العمل، وفعاليته فيختلفان بحسب الحالات التي تكون فيها الدولة بسلطاتها المختلفة متجاوبة مع التزاماتها الدولية أم لا. فإذا كانت متجاوبة أدت هذه التقارير الى تحريك الأجهزة المختصة لوقف المخالفة ومعاقبة المسؤولين عنها والعمل على عدم تكرارها في المستقبل. أما اذا لم تكن متجاوبة ولم تقم بالخطوات اللازمة، فان التقارير هذه تشكل ملفات تجابه بها الدولة معنوياً في الأطر الداخلية والدولية لحملها على احترام التزاماتها، خاصة عندما تدعي بأن الحريات والحقوق مصانة ومحترمة. ولا يخفى على أحد مدى تأثير هذا الضغط المعنوي حين يكون العديد من المساعدات المالية الدولية مشروطاً بحسن اداء الدولة لالتزاماتها باحترام حقوق الإنسان وتعزيزها، وحين تكون سياسة الدولة المعلنة والصورة التي تريد أن تعطيها عن نفسها، هي انها دولة القانون المحترمة للحقوق والحريات.
وقد يتعجب البعض اذا ما علم أن هناك موجباً (وليس فقط امكانية استنسابية) يقع على عاتق الدولة في رصد واقع حقوق الإنسان ووضع التقارير المناسبة بشأنه، وذلك تنفيذاً لموجباتها القانونية نتيجة إبرام عدد من المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان التي تتضمن آليات لمتابعة مدى تقيد الدول والحكومات بإلتزاماتها في تطبيق أحكام هذه المعاهدات. ونذكر منها على سبيل المثال التقارير الموضوعة وفقاً للمادة ٤٠ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي تنظر فيها “لجنة حقوق الإنسان” لدى الأمم المتحدة، والتقارير الموضوعة وفقاً للمادة ١٦ من العهد الدولي الخاص بالحقوق إلاقتصادية وإلاجتماعية والثقافية التي ينظر فيها المجلس الإقتصادي والإجتماعي لدى الأمم المتحدة؛ وفي كلتي الحالتين، تكون الدولة تعهدت بأن تقدم تقارير عن التدابير التي تكون اتخذتها وعن التقدم على طريق ضمان احترام الحقوق والحريات والتمتع بها.
ولجمعيات حقوق الإنسان، اللبنانية والأجنبية، دور تلعبه في هذا الإطار، اذ يمكنها أن تتوجه الى الهيئات الدولية المعنية بمناقشة التقارير الوطنية، لتقييمها وتقديم التوصيات الملائمة بشأنها، وتقديم تقارير موازية تعليقاً على تقارير الدولة. كما يمكن هذه الجمعيات أن تحضر جلسات المناقشة وتقديم الإيضاحات الملائمة الى أعضاء الهيئة المعنية بشكل غير رسمي، مما يجعل عمل هذه الأخيرة أكثر جدوى وواقعية، خاصة اذا لم تشرك الدول جمعيات حقوق الإنسان في وضع هذه التقارير أو في مناقشتها قبل ارسالها الى الهيئات الدولية المعنية. وهذا ما حصل فعلاً في معرض مناقشة تقرير لبنان الرسمي لدى لجنة حقوق الإنسان في نيسان ١٩٩٦ عملاً بالمادة ٤٠ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وقد كان للتقارير التي وضعها عدد من الجمعيات الأجنبية واللبنانية، ومنها نقابة المحامين في بيروت، الوقع والتأثير الأكيداً في أعمال اللجنة والتوصيات التي تبنتها نتيجة مراجعتها التقرير اللبناني[١٩]. ويبقى أن نجاح أي تحرك مماثل يتعلق بمدى جهوزية الجمعيات ومعرفتها مسبقاً بمواعيد مراجعة تقرير معين وما اذا كانت قد تمكنت من إلاطلاع عليه[٢٠]، هذا حتى تنفذ الدولة التوصية الأخيرة للجنة حقوق الإنسان وهي التالية “٣١ – وتوصي اللجنة بأن تقوم السلطات اللبنانية بنشر معلومات عن العهد وملاحظات اللجنة هذه على اوسع نطاق ممكن، وبأن يتم التعريف على نطاق واسع بالتقرير الدوري التالي للدولة الطرف”.
لكن يبقى أنه في غياب أية هيئة وطنية رسمية مستقلة تتمتع بصلاحيات خاصة، هدفها رصد واقع حقوق الإنسان (مثلاً: “الأمبودزمان” أو لجنة وطنية لحقوق الإنسان)، يقع على عاتق جمعيات حقوق الإنسان العبء الأكبر في رصد المخالفات ووضع التقارير بشأنها.
 فعلى الصعيد المحلي، هناك عدد ضئيل نسبياً من الهيئات التي تقوم بهذا النشاط بشكل منتظم وعلمي؛ وهي (أي الهيئات) غالباً ما تقوم برصد إلانتهاكات والتقرير عنها عند حصولها بشكل بيانات ومواقف صحفية. والقليل منها يقوم بوضع تقارير شاملة عن واقع حقوق الإنسان. كما تجدر الإشارة الى نوع خاص من الرصد، هو مراقبة أو متابعة جلسات المحاكمات التي يخشى أن لا تتوفر فيها الضمانات المعتبرة دولياً للمحاكمات العادلة. أما على الصعيد الدولي، فلقد أصبح للبنان منذ سنوات عديدة، أبواب وتقارير خاصة تفرد له من ضمن أعمال جمعيات أجنبية مشهود لها بالجدية والمصداقية[٢١].
وليكون الرصد فعالا ومجدياً، ينبغي أن تكون متابعة دائمة ومتواصلة وذات نفس طويل، كما ينبغي أن تتسم التقارير بالدقة وبصحة المعلومات التي تتضمنها بقدر الإمكان مما يزيدها والهيئة التي تضعها مصداقية. وتجدر إلاشارة هنا الى أن الصعوبة تكمن دائماً في توفر المعلومات: فأصحاب العلاقة في بعض الأحيان يخشون افشاء وقائع وتفاصيل ما يتعرضون له من انتهاكات، خشية تفاقمها أو تكرارها (خاصة، في حالات التوقيف الاعتباطي والتعرض لأعمال الشدة والتعذيب)؛ كما أن وسائل الإعلام، التي هي من المصادر الرئيسية للمعلومات، وعلى أهمية الأخبار التي تتضمنها، غالباً ما تخشى عرض تفاصيل بعض إلانتهاكات، وفي بعض الأحيان، تخشى حتى من نشر بيانات وتقارير هيئات حقوق الإنسان المحلية والدولية، في سلوك مؤسف أصبح معروفا “بالرقابة الذاتية”. وهكذا، تبرز الحاجة إلى إيجاد مرجع لتلقي الشكاوى، يكون لدى هيئة توحي بالثقة وتحفظ أسرار الوقائع إذا شاء من تعرض لها إبقاءها سرية. والمقترح أن ينشأ مثل هذا المركز لدى نقابة المحامين تحت اسم “مركزية الشكاوى”.
٣ –     العمل القضائي بالدفاع وإلادعاء:
يمثل العمل القضائي الوسيلة الأكثر فعالية أحياناً للتعاطي مع الإنتهاكات الواقعة على الحقوق والحريات الأساسية، خاصة باستعمال المعايير الوطنية، لأن العمل المباشر القضائي أو شبه القضائي في المحافل الدولية غير متوفر للبنانيين.
وفي الواقع، فان هناك بعض المعاهدات الدولية ضمن نظام الأمم المتحدة التي أوجدت مراجعات شبه القضائية أمام هيئات خاصة. لكن العديد منها غير متوفرة للبنانيين، كون لبنان لم يبرم تلك المعاهدات بعد. وتتمثل هذه الوسيلة مثلاً، بحق الأفراد في مراجعة “لجنة حقوق الإنسان” لدى الأمم المتحدة للشكوى من الإنتهاكات الواقعة على حق من الحقوق المنصوص عنها في “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” وذلك اعمالاً بالبروتوكول الإختياري الأول الملحق بهذا العهد والصادر سنة ١٩٦٦، وبمراجعة “لجنة مناهضة التعذيب” للشكوى من الإنتهاكات الواقعة على حق من الحقوق المنصوص عنها في “اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة” الصادرة سنة ١٩٨٤.
وتجدر الإشارة الى أن هذه المراجعات الدولية لا تكون جائزة إلا بشرط استنفاد جميع وسائل المراجعة الداخلية الممكنة، وذلك اتاحة للفرصة بأن تتولى السلطات الوطنية الداخلية المعنية، وفي مقدمتها القضاء، أمر وقف الإنتهاك الواقع على الحقوق والحريات. ويفترض هذا الشرط أن تكون وسائل المراجعة الداخلية حقيقية وليس نظرية؛ وبالتالي، فهو يسقط حين يثبت المستدعي مثلا أن القضاء الصالح لا يتمتع بالإستقلالية، او ان لا صلاحية له في الموضوع، أو أنه بسبب المماطلة أو التأخير غير الإعتياديين في الفصل بالمسألة أو بسبب الإجتهادات أو الممارسات سابقة، يصبح من المؤكد أن المراجعة الداخلية لن تؤدي الى وقف الإنتهاك المشكو منه.
وتبقى مراجعة القضاء في الوطني أكثر فعالية من الوسائل الأخرى الإعلامية والسياسية، للدفاع الفاعل عن الحقوق في العديد من المواضيع. ولا يشكل العمل القضائي إلا ممارسة تدعى بموجبها المحاكم الى تحقيق موجباتها في الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها كسلطة من سلطات الدولة الثلاث. بطبيعة الحال، لا تتحقق هذه الفعالية إلا في المواضيع والقوانين التي تكون متفقة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. والعديد منها متوفر في التشريع اللبناني، خاصة في ما يتعلق بتأمين حق الدفاع والضمانات المعطاة في المحاكمات وأصول التوقيف. ويبرز دور القضاء في تفعيل هذه القواعد وحماية الحقوق، كما تبرز أهمية مراجعة القضاء حتى وان لم يتوفر له كل الإستقلال المرجو، وكل الفعالية اللازمة، لان مراجعة القضاء الدائمة وتذكيره بالمعايير القانونية يساهم في تطوير الإجتهاد باتجاه أكثر احتراماً للقاعدة القانونية الحامية للحريات، ويعزز دور القضاء واستقلاليته في مقابل السلطات السياسية والإدارية والعسكرية المختلفة، ويفعل دوره كحام أول للحريات والحقوق. وقد صدرت عن المحاكم اللبنانية مجموعة من القرارات والأحكام الجريئة التي وضعت حدا لمخالفات وانتهاكات وقعت على الحريات العامة وحقوق الإنسان.
وينبغي هنا التذكير بأن العمل القضائي لا يقتصر على الدفاع، بل يكون أيضاً بإلادعاء والشكوى والطعن؛ ولا يخفى على أحد أهمية ذلك اما لملاحقة مخالفي الإنتهاكات ومعاقبتهم وردع غيرهم، أو للطعن بغية إبطال القرارات الإدارية والمراسيم المخالفة للقانون وللحقوق والحريات. لكن العمل لمصلحة القانون ودفاعاً عنه محدود عن طريق الشكوى والإدعاء، بسبب القاعدة القانونية التي لا تعطي حق إلادعاء إلا للمتضرر الذي تكون له صفة ومصلحة واقعة. ويترتب على ذلك النتائج التالية:
–       تتمتع الهيئات والجمعيات العاملة في الدفاع عن حقوق الإنسان بحق الإدعاء بالذات في حإلات نادرة. لكن وتسهيلاً لعملها، فهي تبحث في أكثر الأحيان عن شخص، طبيعي أو معنوي، تكون له هو الصفة والمصلحة بالإدعاء. ومثل هذه المقاربة تحصل في العديد من الحالات، خاصة في الطعون بأعمال الإدارة أمام مجلس شورى الدولة. كما تعمد في معرض الجرائم الجزائية الى تقديم إخبارات الى النيابات العامة الصالحة، لدفع هذه الاخيرة الى التحرك لاجراء الاستنصاء والملاحقة.
–       لا يمارس الأفراد في بعض إلاحيان الحقوق التي اعطاهم اياها القانون والتي تمكنهم نظرياً من الإقتصاص من الأفراد المسؤولين عن انتهاكات واقعة على حريات اساسية، وذلك خشية ردات الفعل عليهم وعلى مصالحهم من الأجهزة والسلطات المسؤولة عن الإنتهاكات المشكو منها. ومن الأمثلة على ذلك، الشكاوى الممكن توجيهها ضد كل من تثبت مسؤوليته أو علاقته كفاعل أو شريك أو محرض في احتجاز الحرية نتيجة الإعتقال المخالف للقانون، أو في ممارسة أعمال الشدة والتعذيب، فاذا لم يشتكي هؤلاء الأفراد التي احتجزت حريتهم أو الذين تعرضوا لضرب من ضروب الشدة أو التعذيب، وفي غياب تحرك النيابات العامة التي يفترض بها أن تلاحق هي هذه المخالفات، لا يعرض على القضاء إلا القليل النادر من هذه الحالات، ليصدر فيها قرارات تشكل سابقة رادعة لاستمرار الممارسات الشاذة المخالفة للقانون.
–       لا تتمكن المحاكم الا من معالجة حالات خاصة؛ وبالتالي، لا يكون لتدخلها فعالية في وقف المخالفات المتمادية والمستمرة على الحقوق والحريات، حتى وان كان اجتهادها مستمراً في التأكيد على قاعدة الحرية. ومن الأمثلة على ذلك، تمادي وزارة الداخلية في مخالفة قانون الجمعيات وتمادي الضابطة العدلية والعديد من النيابات العامة المشرفة عليها في مخالفة قواعد وأصولهما التحقيق والتوقيف، وذلك بالرغم من صدور عدد من الأحكام الجريئة في حالات خاصة.
وبالنظر لتلك الصعوبات، وبموازاة العمل على تحقيق السلطة القضائية المستقلة والفاعلة، كانت مجموعة من الأفكار منها: اعطاء جمعيات حقوق الإنسان حق الشكوى وإلادعاء في نص قانوني صريح تسهيلا لدورها وتفعيلا له؛ حث النيابات العامة على اتباع سياسة معلنة في ملاحقة أفراد الضابطة العدلية ومعاقبتهم حين يتجاوزون حدود سلطتهم ويخالفون القانون؛ تخصص هيئة ما من الهيئات القضائية أو شبه القضائية، في متابعة كل ما يتعلق بحسن تطبيق القانون والدفاع عن المواطنين في كل ما ينتهك حقوقهم وحرياتهم، وانشاء وظيفة “الأمبودزمان” أو “أمين المظالم” المعني بالدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها[٢٢].
وفي إطار ابراز اهمية العمل القضائي، تندرج أهمية المطالبة بتعزيز القضاء في لبنان كسلطة مستقلة حق إلاستقلال، وفعالة حق الفعالية للفصل في الشكاوى والنزاعات المطروحة عليها بسرعة وبجرأة وبحزم. وتعزيزاً لهذا الدور، وتذكيراً به، يندرج عمل عدد من الجمعيات والهيئات التي تعلن أن في مقدم نشاطاتها العمل لدى القضاء المختص للدفاع عن الأفراد والجماعات التي تكون حقوقها الأساسية منتهكة، ليس حفاظاً على حقوق هؤلاء الأفراد وحسب، لكن أيضا تعزيزاً ودفاعاً عن القاعدة القانونية المنتهكة بالذات. ولكن بالرغم من جميع الصعوبات، لا يمكن إلا أن يستمر المواطن في تذكير القضاء بالدور الهام الذي يلعبه في الدفاع عن الحقوق والحريات المصانة في القانون والمنتهكة في الواقع.
٤ –     الضغط إلاداري والتشريعي:
يمثل الضغط (وبعبارته الأجنبية: “اللوبيينغ”) اما على السلطة الإجرائية والإدارة أو على السلطة التشريعية والنواب، أداة في غاية الأهمية:
– فالضغط الإداري يسعى الى حمل السلطة الإجرائية على حسن تطبيق القوانين، خاصة عندما تكون هي مسؤولة عن انتهاك الحريات والحقوق، أو حين تتخاذل عن ملاحقة المسؤولين عن انتهاك حقوق الإنسان ومعاقبتهم. وتكون هذه الوسيلة الأكثر ملاءمة حين تكون المخالفات والإنتهاكات مستمرة ومتمادية.
– وأما الضغط التشريعي، فهو يسعى الى حمل من يتمتع في الدولة بسلطة وضع مشاريع القوانين واقتراحاتها واقرارها، علىابرام المعاهدات الدولية التي لم يبرمها لبنان بعد، وعلى تعديل القوانين التي تخالف المعايير المعتمدة دستورياً ودولياً لتكون متوافقة معها، ولإقرار التشريعات التي تؤدي الى حماية الحريات العامة وحقوق الإنسان وتعزيزها.
وما هذا “الضغط” إلا تذكيراً للإدارة والمجلس النيابي بموجبات الدولة التي التزمت بها عند ابرامها معاهدات حقوق الإنسان المختلفة، بصفتها الملزمة أولاً بحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتعزيزها. لكن هذه المسؤولية الملقاة على عاتق الدولة لا تقلل، بل تزيد من مسؤولية ودور مؤسسات المجتمع المدني، وفي مقدمتها هيئات حقوق الإنسان، في السهر على أن تحترم الدولة هذا الإلتزام وتحققه. وقد مارست الهيئات اللبنانية والدولية المختلفة هذا الدور في مواضيع عديدة، وقد حققت نجاحاً في بعضها، وما زالت تسعى وتضغط في البعض الآخر.
أما وسائل الضغط وأنماطه، فهي عديدة ومتنوعة جدا، وفي ما يلي بعض الأمثلة الحديثة العهد على ذلك:
– توجيه هيئات حقوق الإنسان الأجنبية والأعضاء المنتسبين اليها عشرات أو مئات الرسائل والفاكسات الى المسؤولين السياسيين اللبنانيين (مثلا: رئيس الجمهورية، رئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية) كلما حصل انتهاك صارخ لحقوق الإنسان (مثلا: توقيفات اعتباطية لعدد كبير من المواطنين، منع وقمع تظاهرات).
– تنظيم المظاهرات احتجاجاً على تدابير قمعية، أو المطالبة بالحريات (مثلا: تظاهرة الإتحاد العمالي العام، والتظاهرات الشبابية استنكاراً لمنع بث مقابلة تلفزيونية مع العماد ميشال عون في تلفزيون المر؛ تنظيم المظاهرة السلمية المطالبة بالغاء عقوبة الإعدام).
– توقيع شعبي واسع على عرائض وطنية، كان أبرزها المطالبة بتنظيم انتخابات بلدية، والمطالبة بالزواج المدني الإختياري.
– نشر بيانات وكتب مفتوحة في وسائل الإعلام في معرض مخالفات وانتهاكات معينة، لمطالبة الإدارة أو القضاء باتخاذ اجراءات لوقفها.
– مراجعات خاصة من أفراد وهيئات لدى وزراء ومسؤولين سياسيين لمطالبتهم بتعديل ممارسات وزاراتهم (مثلا: مطالبات نقابة الصحافة التي أثمرت تعديلا لقانون المطبوعات الغى توقيف الصحافيين الإحتياطي؛ وجهود كادت أن تثمر مع وزير الداخلية السيد بشاره مرهج لإعتماد أصول ادارية جديدة متوافقة مع قانون الجمعيات، في معرض تأسيس الجمعيات).
– وضع هيئات معنية بحقوق الإنسان مشاريع قوانين وعرضها على المسؤولين (مثلا: “مشروع قانون يرمي الى صون الحق بسرية المخابرات التي تجري بواسطة أية وسيلة من وسائل الإتصال” الذي وضعته نقابة المحامين ولجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان لديها، بمثابة مشروع مضاد للذي تقدمت به الحكومة من المجلس النيابي).
– اشتراك أفراد وهيئات خاصة معنية بحقوق الإنسان في لجان خاصة بتحديث القوانين (مثلا: يطيب التذكير بالنتائج الإيجابية التي حققتها الحركة المطلبية النسائية بعد سنوات طويلة من النضال، عبر مصادقة لبنان أخيراً على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واقرار عدد من التعديلات القانونية التي حسنت وضع المرأة اللبنانية، وذلك عبر اشتراك في اللجنة الخاصة المعنية بتعديل هذه القوانين).
وبديهي القول، أن تحقيق أية نتيجة هو رهن بتوفر عدد من العوامل أبرزها: استجابة السلطات العامة (الإدارية والإشتراعية) لصوت الرأي العام، وهذا عنصر اساسي من العناصر المكونة للديموقراطية؛ وتجاوب الإعلام مع التحركات وإعطائها الوقع اللازم؛ كما أن العلاقات الشخصية بالمعنيين تساعد مساعدة أكيدة على الإقناع ومن ثم على التنفيذ.
٥ –     أية وسيلة من هذه الوسائل هي الأكثر فعالية؟
 
يصعب جداً تحديد مدى فعالية أي نشاط من تلك التي تناولناها بالعرض والتحليل من اجل الدفاع عن الحقوق والحريات وتعزيزها، لأن ذلك يعود حتماً الى تقييم خاص في معرض كل حالة من الحالات على ضوء الظرف التي ينفذ فيه العمل، والى واقع كل من الحريات والحقوق التي تسعى الى حمايتها وتعزيزها، والى التقنية التي يحتاجها العمل، وفي مطلق الأحوال الى مدى ومستوى تقدم الديمقراطية الذي يتحكم في النتيجة بمدى التزام الدولة مبدأ سيادة القانون ومدى تجاوبها مع ضغط الرأي العام وسلطان الحق والمنطق.
كما انه يجب التأكيد على أن جميع هذه النشاطات التي استعرضناها متداخلة وينبغي سلوكها جميعها في معرض كل تحرك؛ ولم يكن التقسيم الذي اعتمدناه إلا لإبراز خصائص كل منها. فعلى سبيل المثال، يمكن صياغة الموقف الصحافي من مخالفة ما، ليكون عامل ضغط على السلطات المعنية بفضح المخالفة واقتراح الوسيلة لتقويمه، وليوضح للرأي العام مدى توافق القانون أو العمل المشكو منه مع المعايير الدولية، ويمكن أن يعقب هذا الموقف عمل قضائي أو أن يتزامن معه.
ولا يقتصر العمل للدفاع عن حقوق الإنسان على الأطر التي استعرضناها وحسب، اذ يمكن أن يتخذ النشاط أشكالاً وأنماطاً عديدة أخرى. ونذكر منها على سبيل المثال تنظيم مجموعة من المواطنين والهيئات المختلفة لقاء شعبياً مفتوحاً باسم “عامية الحريات” في ٢ و٣ تشرين الثاني ١٩٩٦ تحت شعار “نقول اولا لا نكون” رداً على تضييق الحكومة على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ودعما لحرية الإعلام. وقد تضمنت “العامية”: ندوة خطابية، ونشر كتيب عن حرية إبداء الرأي ووسائلها المختلفة، بالإضافة الى عروض فنية (موسيقى، غناء، مسرح، رسم) في موضوع الحريات، ومساحة شعبية عامة مكّنت وسائل إعلامية عديدة من للتعبير عن موقفها والتواصل المباشر مع الجمهور.
ثالثا: أطر تنظيم الناشطين في الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها
بعد أن استعرضنا بعض المسائل المتعلقة بمعايير حقوق الإنسان والنشاطات الممكن العمل على تحقيقها دفاعاً عن حقوق الإنسان وتعزيزها، نتطرق الآن الى الإطار التنظيمي للناشطين في الواقع والممارسة اللبنانية.
١ –     اطار العمل التنظيمي:
هناك عدد من الأفراد الذين يعملون في مجال حقوق الإنسان، اما بحكم مهنتهم أو بفعل التزامهم الخاص. ويدخل في عداد هؤلاء بشكل خاص الصحافيون والمربون وأساتذة المدارس والجامعات الذين يدرسون موادا خاصة بحقوق الإنسان أو انها تتضمن قسماً مخصصاً لها، كما يدخل أيضاً من عداد هؤلاء المحامون الذين يعملون في الدفاع لدى المحاكم عن حالات عديدة جداً حفاظاً على حقوق موكليهم وحرياتهم الأساسية. كما أنه يمكن ادراج بعض نشاطات رجال الدين الذين أخذوا يقيّمون عمل السلطات السياسية من منظار حقوق الإنسان، ومن الأمثلة على ذلك عظات غبطة البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير.
وهناك أيضا مجموعة من الهيئات المختلفة التي حددت في انظمتها ان هدفها الرئيسي أو بعض أهدافها العمل على الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها. ولا يخفى أحداً مدى أهمية أن يندرج العمل في اطار جماعي، فيفعل طاقة الأفراد ويهذبها ويوجهها ويؤمن للعمل الديمومة المؤسساتية؛ ومن البديهي القول بأن عمل الجماعة يكون، في أكثر الأحيان، أكثر فعالية من تحرك الأفراد المستقلين. من مراجعة مستندات تأسيس هيئات حقوق الإنسان العاملة والناشطة حالياً في لبنان، يتبين أنها بأكثريتها الساحقة حديثة العهد نسبياً: فإذا ما استثنينا الجمعيات العاملة ضمن إطاري حقوق الطفل والمرأة وهي الأقدم عهداً، فهناك جمعيتان، تأسست الأولى عام ١٩٨٥ والثانية عام ١٩٨٨، وأما الباقية وعددها يتجاوز العشرين، فقد تأسست جميعها بعد عام ١٩٩٠.[٢٣]
هذا وتجدر إلاشارة الى أن بعض الأحزاب والهيئات الثقافية، وغيرها من الجمعيات ذات الأهداف المختلفة، تنظم من وقت الى آخر نشاطات تتعلق بالدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها دون أن يكون ذلك في صلب اهتماماتها أو مدونا في أنظمتها. يجب تشجيع هذا النمط من التحرك لأنه يؤدي الى توسيع رقعة المهتمين والعاملين على الدفاع عن حقوق الإنسان، دون أن يؤدي ذلك الى ادخال هذه الهيئات بالضرورة في عداد ما يمكن تعريفه بهيئات حقوق الإنسان.
أما الشكل القانوني الذي تتخذه هذه الهيئات الأخيرة، فواحد من الأشكال التالية:
–     منها من يكون لجاناً ضمن هيئات أخرى (مثلاً: لجنة حقوق الإنسان والحريات الأساسية لدى نقابة المحامين في بيروت؛ واللجان التي تعنى بالحريات الأساسية ضمن بعض الأحزاب والجمعيات الثقافية).
–     ومنها يكون من الجمعيات المؤسسة وفق قانون ١٩٠٩ والحائزة على أيصال العلم والخبر بحسب الأصول.
–     ومنها من يكون من الجمعيات المؤسسة والمعلنة أيضا وفق قانون ١٩٠٩، لكنها غير حائزة على أيصال العلم والخبر (وعددها كبير نسبياً).
–     ومنها أخيرا تلك التي إختارت شكل الشركة المدنية المهنية (وعددها قليل نسبياً).
إن ما يفسر النمطين الأخيرين من التأسيس هو تمادي وزارة الداخلية، خاصة في الفترة التالية لسنة ١٩٩٠، في مخالفة قانون الجمعيات الصادر عام ١٩٠٩ في أصول تأسيس الجمعيات، وبشكل أخص بالنسبة لجمعيات حقوق الإنسان. فبحسب ما نص عليه قانون الجمعيات وتعديلاته وما اكدته إجتهادات مجلس شورى الدولة اللبناني المستمرة، إن تأسيس الجمعيات لا يحتاج الى ترخيص من اية ادارة عامة. وتنشأ الجمعية (بما فيها إلاحزاب السياسية) بمجرد التقاء مشيئة مؤسسيها وتوقيعهم على انظمتها العامة والداخلية. وجل ما يتوجب على الجمعية القيام به بعد تأسيسها هو فقط تسليم إلادارة بيان إلاعلام المتعلق بواقعة التأسيس وبمجموعة من المعلومات التي حددها القانون، وذلك لكي لا تعتبر من الجمعيات السرية ولتكتسب الشخصية المعنوية تجاه الغير. ومقابل ايداع بيان إلاعلام هذا، على إلادارة — التي تأخذ علماً وخبراً بتأسيس الجمعية — أن تسلم المسؤولين ايصالاً بالمستندات، يطلق عليه القانون اسم “العلم والخبر”؛ وابتداءا من تاريخ ايداع الاوراق، تكتسب الجمعية الشخصية المعنوية الاعتبارية تجاه الغير، فيحق لها اجراء كافة الأعمال بإلادعاء والدفاع في المحاكم، وفتح الحسابات المصرفية باسمها … الخ.
لكن وزارة الداخلية، وفي نمط تعامل بات عاماً بالنسبة لكل الجمعيات، تخالف أحكام قانون الجمعيات بشكل تحول معه التأسيس الحر الى تأسيس خاضع للترخيص “بفعل الأمر الواقع” لممارسة الإدارة. وفي تقييد أكثر تشدداً بالنسبة إلى لجمعيات حقوق الإنسان التي تصفها الوزارة “بالسياسية” (!!) لا تقبل الوزارة استلام ألاوراق المتعلقة بتأسيسها متذرعة بقرار صادر عن مجلس الوزراء (لم ينشر… وبالتالي لا وجود قانوني له) يمنع تأسيس الجمعيات السياسية وإلاحزاب إلا بقرار من مجلس الوزراء.
من البديهي القول بأن هذه الممارسات هي مخالفة للقانون. وما على الجمعيات الراغبة في التأسيس وفي العمل في مجال حقوق الإنسان (وفي غيرها من المجإلات) إلا تطبيق القانون: فترسل بيان الإعلام المنصوص عنه في المادة ٦ من قانون الجمعيات الى وزارة الداخلية بتبليغ رسمي بواسطة دائرة المباشرين في وزارة العدل، بعد أن تكون أودعت كافة الأوراق العائدة لتأسيس الجمعية لدى كاتب العدل ووقعت عليها أمامه. فيقوم حينها المحضر الذي ينظمه المباشر مقام أيصال العلم والخبر، الذي يثبت استلام الإدارة بيان الإعلام وفق الأصول، فلا تكون الجمعية من الجمعيات السرية. ولا يعقل أن يكون لمجلس الوزراء أي أساس قانوني يبرر حل مثل هذه الجمعية، لأنها بطبيعتها تعمل على تطبيق القانون والدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها!!.
٢ –     تحديد الحريات والحقوق موضوع العمل:
يبقى على الأفراد أو الهيئات المعنية أن تحدد أهدافها، أي الحقوق والحريات التي سوف تكون موضوع عملها، بالإضافة الى النشاطات والأعمال التي سوف يعتمدونها لتحقيق هذه الأهداف. فيكون الخيار اما العمل ضمن ولاية شاملة للعمل في مجال جميع الحقوق والحريات التي نصت عليها شرعة حقوق الإنسان، أو حصر العمل في احداها أو في بعضها.
في لبنان، هناك عدد كبير نسبياً من الهيئات التي حددت لنفسها في أنظمتها ولاية عامة[٢٤]، عددها يقارب العشرة إلا انه، وبالرغم من ذلك، يبقى أن مشاريع تلك الهيئات ونشاطاتها تركز على أنواع محددة من الحقوق والحريات، ويعود ذلك الى مجموعة من الأسباب تؤدي جميعها الى زيادة مدى فعالية وتأثير عمل الهيئة، وأهم هذه الأسباب:
–       الوقت والإمكانيات البشرية والمادية المحدودة بطبيعة الحال، التي يمكن أن توظفها الهيئة تحقيقا لأهدافها[٢٥].
–       أولويات العمل التي تحددها الهيئة لنفسها، وذلك اما على أساس تقييم الحاجات من منطلق تحليلي مجرد، أو من منطلق متأثر بتجربة خاصة للأعضاء أو لبعضهم.
–       صعوبة أو سهولة التعاطي في مواضيع أونشاطات معينة، وذلك لارتباطها اما بحاجة الى تقنية أو اختصاص معين (كالحاجة مثلا الى محامين يتولون الدفاع أو الإدعاء لدى المحاكم أو إعطاء استشارات)، أو لإرتباطها “بمحاذير” سياسية أو أمنية (كالجرأة الإضافية التي يحتاجها مثلا التعاطي بموضوع المعتقلين في سوريا).
–       الحاجة والنزعة الى التخصص، لأن كل حق أو حرية من الحريات تتطلب معرفة دقيقة لها، ويتطلب تحقيقها عملاً مضنياً ومستمراً.
ان مجمل هذه الإعتبارات يؤدي الى نوع من أنواع التخصص في الواقع للعديد من الهيئات ذات الولاية العامة، فينحصر عملها ضمن اطار حقوق وحريات محددة (مثلا: حرية ابداء الرأي، حرية الجمعيات)، أو ضمن اطار نشاط محدد(مثلاً: التعليم أو الرصد).
وبطبيعة الحال فان هذا التحديد في ولاية عمل الهيئة يمكن أن يحصل عند التأسيس، فتكون ولايتها محصورة ضمن مواضيع محددة. وفي لبنان هناك عدد كبير من تلك الهيئات ذات الولاية المحصورة. العدد الأكبر منها يعمل في مجال حقوق الطفل وحقوق المرأة. أما الحقوق الأخرى التي تعنى بها هيئات متخصصة في لبنان، فهي التالية مع تحديد العدد التقريبي لهذه الهيئات: المعتقلون اللبنانيين في السجون إلاسرائيلية (٢)، المعتقلون اللبنانيون في السجون إلاسرائيلية والسورية (١)؛ الحقوق إلاقتصادية والعمالية (٢)؛ حقوق المساجين (٢)؛ مساعدة ضحايا التعذيب (١)؛ مساعدة العاملين الأجانب (١)؛ مساعدة ضحايا العنف المنزلي (١)؛ ديمقراطية إلانتخابات (١).
هذا وتجدر الملاحظة أن تخصيص اهتمام احدى الهيئات بحق أو مجموعة حقوق محددة لا يشكل مطلقاً تنكراً لأهمية الحقوق والحريات الأخرى، لأن الهيئات كما هذه الحقوق، ينبغي أن تنظر الى نفسها على انها حلقة من سلسلة، لكل هيئة فيها ميزاتها، وامكانياتها – وان كانت متواضعة -، تضيفها الى ورشة بناء كرامة الإنسان وتمتعه بكمال حقوقه وحرياته.
٣       التعاون والتنسيق المحلي والدولي:
ان كثرة العمل الذي يتطلبه الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها في مقابل الموارد والإمكانيات المتوفرة لتحقيق هذه الأعمال تحتّم قيام نوع من أنواع التعاون والتنسيق بين الناشطين في مجال حقوق الإنسان. وذلك ليس فقط أو بالضرورة لمشاركة أكثر من فرد أو هيئة في نشاطات مشتركة، بل لتحاشي الإزدواجية في تنظيم بعض أنواع النشاطات وفي توقيتها، ولتبادل المعلومات والخبرات، ولتعميق التعارف في ما بين الهيئات والأفراد العاملين في مجال حقوق الإنسان ان على الأصعدة الشخصية أو البرامجية أو المنهجية أو العلمية. كما أن فعالية بعض النشاطات، خاصة منها تلك المتعلقة بالضغط التشريعي أو الإداري، تكون مضاعفة اذا ماتعممت المشاركة فيها على عدد كبير من الهيئات العاملة ضمن أطر جغرافية أو مهنية أو سياسية مختلفة. وتكون الحاجة الى تضافر الجهود أكثر إلحاحا، اذا ما تعرض أحد الناشطين في حقوق الإنسان الى أية محاولة ضغط أو اكراه بسبب نشاطه بالذات.
كما أن جميع حسنات التنسيق ونتائجه على الأصعدة المختلفة التي ذكرناها تنطبق على التنسيق المحلي بقدر ما تنطبق على التنسيق الدولي مع الهيئات الأجنبية والدولية.
يبقى أن دون تحقيق هذا التعاون والتنسيق عقبات، منها تفضيل البعض العمل بالإنفراد تأميناً لسرعة التحرك، والتفاوت في أنماط العمل والنشاطات، وأنماط مختلفة في مقاربة حقوق الإنسان من الناحية النظرية أو العملية. لكن هذه العقبات لا ينبغي أن تثنى الناشطين عن السعي الى التنسيق، بل ان تكون حافزا لها. على أن يكون التحرك لبناء حلقات هذا التعاون تدريجياً ومدروساً، بحيث يبدأ بالتنسيق في معرض حريات محددة تكون موضع اهتمام هيئات مختلفة، وبين مجموعات من الهيئات ينشأ بينها أنماط خاصة من التفاهم، على أن يتطور ذلك الى وضع اسس لشبكات من الهيئات يكون هدفها متواضع وغير مقيد لحرية تحرك أي من أعضائه.
رابعا: المواقف والسلوكيات في العمل دفاعا عن حقوق الإنسان
يبقى في ختام هذه المقالة، أن نستعرض بعض المواقف والسلوكيات التي تجابه بها هيئات حقوق الإنسان من قبل الدولة، وكذلك مواقف الهيئات ذاتها من الدولة وسلوكياتها في العمل للدفاع عن حقوق الإنسان.
١ –     مواقف وسلوكيات سلطات الدولة:
تتميز مواقف وسلوكيات الحكومة حيال ناشطي حقوق الإنسان، أفراداً وهيئات، بالتأرجح بين نزعات مختلفة: من تجاهل المخالفات والإنتقادات، الى محاولات التقييد والضغط والتأثير. وجميعها تدل على انزعاج الإدارة غير مبرر من هؤلاء الناشطين حين ينتقدون الدولة ويتهمونها بانتهاكات لحقوق الإنسان، في حين تسعى هي لإعطاء صورة عن نفسها على أنها تحترم مبدأ سيادة القانون وتصون الحريات. ويختلف السلوك والأسلوب من وزير الى آخر ومن ادارة الى أخرى.
ان القاسم المشترك بين المواقف على اختلاف مصادرها يبقى عدم الإقرار، إلا في حالات نادرة جداً، بأية مسؤولية للحكومة أو أي من أجهزتها، عن أي انتهاك لحقوق الإنسان. ومن ألامثلة على ذلك، وصف وزير الداخلية ميشال المر تقرير نقابة المحامين في بيروت المرفوع الى لجنة حقوق الإنسان في ألأمم المتحدة بالـ “كذب”، في ما اشار اليه التقرير المذكور من اعمال “تعذيب” و”توقيف اعتباطي[٢٦]“. في حين أن أي عمل جدي للإصلاح يفترض أن يبدأ من الإقرار بالخطأ والعمل بشفافية على ملاحقة المسؤولين ومعاقبتهم. وعوض ذلك، يتحول الحوار اذا ما انعقد، الى شبه مبارزة، تبين فيها هيئات حقوق الإنسان الجزء الفارغ من وعاء انتهاك حقوق الإنسان، في حين تبين الإدارة الجزء الملآن من مدى الحريات المتوفرة؛ وفي غالب الأحيان، يقتصر هذا الجزء الأخير على البعد النظري في حيز النص وليس في حيز الممارسة والواقع[٢٧]، أو يقتصر على الإشادة بتوفر الحرية وهي في حدها الأدنى (كأن يقول أحدهم أن الحرية في لبنان بخير لأن بعض الندوات تنعقد وتقال فيها حقائق المخالفات وتعبر فيها عن الإنتقادات). كما يتميز بعض المواقف تبريراً للمخالفات وتمنيناً بالمستوى المتوفر في لبنان، بقياس واقع الحريات المتدني فيه بواقع الحريات المنعدم في عدد من دول المنطقة؛ في حين أن المطلوب حريات تكون في مستوى المعايير المعتبرة دولياً وفي الدستور. وينم هذا النمط السلبي من التعامل عن موقف دفاعي، ينزعج من الإنتقاد بدل أن يرى فيه حافزاً على تصويب المسار المنحرف في واجب الدولة الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها.
وكذلك غالباً ما يضع مسؤولون في الدولة إحترام الحريات وحقوق الإنسان في موقع شبه المنافس للامن وإلاستقرار، وكأنه لو زاد احترام ألاولى، نقص مستوى الثانية؛ في حين انه بالإضافة الى المعايير القانونية التي استعرضناها في القسم إلاول من هذا المقال في ما يتعلق بالحدود الجائز وضعها للحريات، فإنه ينبغي التأكيد ان لا تعارض بين حاجة الأمن وحقوق الإنسان بل تكامل؛ ولا يصان ألامن وهيبة الدولة إلا بإعلاء شأن دولة القانون واحترام حقوق الإنسان.
أما التجاهل، فيتمثل بشكل خاص في أن الحكومة لم ترد على أية اثارة علنية لإنتهاكات حقوق الإنسان التي تصدر من هيئات محلية أو توضح موقفها منها (إلا في حالات نادرة جدا)، وكأني بها تلغي المخالفات اذا هي أبقتها طي الكتمان ولم تتناولها أو تبررها في أي موقف علني. ولم يبدأ بعض الوزراء بالرد على تقارير صادرة عن هيئات أجنبية إلا مؤخراً. والتطور غير المألوف في هذا الصدد، بدء النائب العام التمييزي بدوره التعليق على هذه التقارير[٢٨] في ما يعتبر خروجاً عن واجب التحفظ الذي ينبغي أن يلتزمه القضاء، وزجاً للقضاء في اتخاذ المواقف السياسية التي تعود أصلاً إلى الوزارات المعنية وليس الى النيابة العامة. لكن مجرد الرد على التقارير المتعلقة بحالة حقوق الإنسان، وبالرغم من طابعها السلبي، يشكل خروجاً عن الصمت والتجاهل مما يجدر تشجيعه، على أمل أن تتحول هذه المجابهات البيانية يوماً الى حوار حقيقي.
وأما محاولات التقييد والضغط والتأثير، فتتمثل بوسائل مختلفة، منها تعامل وزارة الداخلية مع جمعيات حقوق الإنسان وأصول تأسيسها التي استعرضناها آنفا في عرضنا لأطر تنظيم هيئات حقوق الإنسان. كما تتمثل بمضايقات وضغوط تعرض لها بعض المحامين العاملين دفاعاً عن حقوق الإنسان؛ وكان أسوأ انتهاك في هذا السياق ما تعرض له ناشط ورئيس لهيئة تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان، اذ أوقف بمخالفة للأصول القانونية وأخضع لإستجواب طويل تمحور حول ماهية وتنظيم هيئة حقوق الإنسان التي يرئسها.
ومن وسائل الضغط الأخرى، إلصاق تهم وصفات واهية بهيئات حقوق الإنسان وناشطيها، فينعتون تارة بعدم الوطنية، وتارة أخرى بتشويه صورة لبنان وإعاقة مسيرة السلم الأهلي والإعمار. وكانت أسوأ حالة من حإلات التجني هذه، حين تحول فيها الإتهام “السياسي” الى ملاحقة قضائية جزائية بوجه رئيس الإتحاد العمالي العام السيد الياس أبو رزق بتهمة “اذاعة الأنباء الكاذبة في الخارج” المنصوص عليها في المادة ٢٩٨ من قانون العقوبات. وكان السيد أبو رزق يعمل على ابداء وجهة نظره في محافل دولية مختلفة في ما اعتبره انتهاكاً لحرية الجمعيات والنقابات بمعرض انتخابات الإتحاد العمالي العام. وتنص المادة المذكورة على ما يأتي: “كل لبناني يذيع في الخارج، وهو على بينة من الأمر، أنباء كاذبة أو مبالغاً فيها من شأنها أن تنال من هيبة الدولة أو من مكانتها المالية، يعاقب بالحبس ستة أشهر على الأقل وبغرامة تتراوح بين خمسين وخمسمائة ليرة لبنانية، ويمكن للمحكمة أن تقضي بنشر الحكم.” والواقع أنه لا يعقل أن يدان أي ناشط يعمل بجدية في الدفاع عن حقوق الإنسان بموجب هذه المادة القانونية، ولا أن يتوفر أي ركن من أركان هذه الجنحة الجزائية، لأن أي عمل جدي في رصد حالة حق من حقوق الإنسان والتقرير عنها بشكل ينشر في الخارج، يكون مصدره لبنان، ويكون مبني على وقائع ثابتة وصحيحة (وان كان هناك اختلاف تفصيلي في وصف هذه الوقائع قانونياً)، ولا يكون هدف التحرك النيل من هيبة الدولة، بل حملها على تنفيذ ما التزمت به في المواثيق الدولية، تعزيزاً لدولة القانون ودفاعاً عن حقوق الإنسان.
وبعد هذا التقييم السلبي لمواقف وسلوكيات الحكومة، ينبغي أن تسجل لصالح السلطة الإشتراعية خطوة أيجابية، تتمثل في تخصيصها لجنة من لجان مجلس النواب بوظيفة السهر على احترام حقوق الإنسان، هي “لجنة النظام الداخلي وحقوق الإنسان”. ويؤهل أن يقوى عود هذه اللجنة واهتمامها في مواضيع حقوق الإنسان، فتتحول الى هيئة فاعلة ضمن المجلس النيابي والمجتمع ككل، للدفاع عن حقوق الإنسان عبر مراقبة أعمال وسياسات الحكومة وتعزيزها في النصوص التشريعية المتوافقة مع المعايير المعتبرة دستورياً ودولياً.
وجل ما نتأمله من سلطات الدولة المختلفة (وفي مقدمتها الحكومة واداراتها وأجهزتها المدنية والعسكرية المختلفة) بالنسبة لمواقفها وسلوكياتها حيال هيئات حقوق الإنسان، فهو أخذ موجباتها في الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها على محمل الجد، والإقرار بالإنتهاكات والمخالفات بشفافية وواقعية أكبر، وبدء حوار حقيقي ورصين مع هيئات حقوق الإنسان يؤمل أن يتحول الى تعاون يثمر مشاريع مشتركة في ميادين شتى.
 
٢ –     مواقف وسلوكيات ناشطي حقوق الإنسان:
ان العمل دفاعاً عن حقوق الإنسان وتعزيزها يثير بعض المسائل في طبيعة العلاقة مع الدولة والصورة المتكونة عنه في المجتمع، كما يتطلب من الذين يقومون به التحلي بمزايا خاصة وعديدة.
من المسائل التي يثيرها نشاط مدافعي حقوق الإنسان تحديد طبيعة العلاقة مع الدولة. وتتأرجح هذه العلاقة ضمن مروحة واسعة من المواقف المختلفة التي تقع بين حالتين قصويين: فهناك من يرفض التعامل أو التعاون مع مؤسسات الدولة وأجهزتها، خشية أن يؤدي بهم ذلك الى الظهور بمظهر من يتفاوض على حق ثابت، أو من يتعاون مع منتهك للحقوق والحريات، فيكتفي هؤلاء بالرصد والإرشاد. وهناك من يخشى أن يعادي الدولة في مواقفه، الى حد يتحاشى معه اثارة المواضيع “الحساسة” ويفضل المفاوضة على الحقوق من منطلق أن الجزء يبقى أفضل من اللا شيء. ويصعب جداً الإجابة على هذا الخيار بالمطلق، سوى القول بأن التوجه الى الدولة واجب دائما، لأنها هي المسؤولة من ضمن التزاماتها الدولية عن احترام حقوق الإنسان. وفي ما عدا ذلك، فان سلوك التعاطي مع الدولة يكون مختلفاً بإختلاف كل حالة من الحالات، وبمعرض كل وقت من الأوقات المختلفة. وتختلط في هذا العمل المطالبة الراديكالية التي لا تتزحزح تارة والتعامل مع الواقع بحكمة ومرونة تارة أخرى دون التفريط بالمبادئ، لانه عندما تدافع عن الحريات وحقوق الإنسان، لا تتجاهل السلطة وكذلك لا تتجاهل انتهاكاتها وتستقوي بالحق. ويبقى المعيار في تقييم صوابية العلاقة التي يجب اقامتها مع أجهزة الدولة وسلامتها في ما يحافظ على استقلالية ناشطي حقوق الإنسان، أن يكون الكلام والموقف هو ذاته، في حضرة المسؤولين الرسميين وفي غيابهم.
كما يتطلب العمل في الدفاع عن حقوق الإنسان جرأة معنوية أكيدة؛ ليس في مواجهة أية محاولة للضغط أوالإغراء أو التأثير الصادرة عن منتهكي حقوق الإنسان وحسب، بل أيضاً لمواجهة انتقادات ممكنة من المجتمع بالذات، لأن مواضيع حقوق الإنسان ليست دائما شعبية أو مفهومة بالضرورة من الجمهور. وتبقى خشية البعض بأن يلتصق اسم المدافع مع اسم الشخص أو المجموعة التي يدافع عنها، فلا يقيم المدافع هو أو الجمهور الفاصل ما بين آراءه الخاصة وآراء من يدافع عنهم، أكانت سياسية أو فكرية أو دينية …الخ. وفي ذلك يتجلى مبدأ استقلال مدافعي حقوق الإنسان عمن يدافعون عنهم، لأنه في الواقع، ومن خلال أشخاص أو مجموعات، تكون الحقوق والحريات هي بالذات موضوع عمل الدفاع. وفي هذا الإطار، يطيب التذكير بالعبارة التالية المنسوبة إلى الفيلسوف الفرنسي “فولتير”: “قد أختلف معك في الرأي، لكني سوف أستميت دفاعاً عن حقد في إبداء الرأي”. وهذه المقولة وان تعلقت أصلاً بحق وحرية إبداء الرأي، تنطبق على جميع الحقوق والحريات المنصوص عنها في شرعة حقوق الإنسان.
في الختام، إن العمل من اجل تحقيق احترام حقوق الإنسان مضن، يتطلب الإستقلال عن كل مصدر تأثير وضغط مادي أو معنوي سوى مبادئ حقوق الإنسان، وشفافية كبيرة في العمل، ومعرفة دقيقة وتفصيلية لمدى الحريات والحقوق وحدودها في القانون وفي الممارسة، ورصانة ودقة في المعلومات، وبرنامجاً واضحاً وواقعياً للدفاع عنها ولتعزيزها، وثبات ومثابرة وصبراً طويلاً في تنفيذ هذا البرنامج لأن العمل مضني وبطيء، وجرأة في المواجهة دون التفريط بمصالح الأفراد، ومرونة في الحوار دون التفريط بالمبادئ، وأملاً لا يتزحزح بصوابية العمل وأهميته من اجل الافراد والمجتمع، والثقة في إمكانية تحويل حقوق الإنسان الى حقيقة معيوشة.


[١] ورد التذكير بهذه المسؤولية كما يأتي في مقدمة “إعلان حماية مدافعي حقوق الإنسان”: “ان الجمعية العمومية للأمم المتحدة […] مؤكدة بإصرار أن الموجب والمسؤولية الأولى في حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحمايتها تقع على عاتق الدولة”. والمادة ٢ فقرة (١) من “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” نصت على انه “تتعهد كل دولة طرف في العهد الحالي باحترام وتأمين الحقوق المقررة في العهد الحالي لكافة الأفراد ضمن اقليمها والخاضعين لولايتها دون تمييز من أي نوع …”.
[٢] ان أبرز صكوك “الحق الإنساني” هي التالية: “اتفاقية جنيف [الأولى] لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان” (١٩٤٩)؛ “اتفاقية جنيف [الثانية] لتحسين حال جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار” (١٩٤٩)؛ “اتفاقية جنيف [الثالثة] بشأن معاملة أسرى الحرب” (١٩٤٩)؛ “اتفاقية جنيف [الرابعة] بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب” (١٩٤٩)؛ “البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات العسكرية” (١٩٧٧)؛ “البروتوكول الإضافي الثاني الملحق باتفاقيات جنيف والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية” (١٩٧٧).
[٣] لمقارنة حقوق الإنسان بالحق الإنساني، راجع: لويز بوزوالد-بيك وسيلفان فيتي، “الحق الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان”، في المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد ٢٩٣، صفحة ٩٤ الى ١١٩.
[٤] في ما يلي، قائمة بالحريات والحقوق الواردة في إلاعلان العالمي لحقوق الإنسان:
الحقوق المدنية والسياسية: – الحرية والمساواة في الكرامة والحقوق بين جميع الناس (م١) – الحق بالتمتع بجميع الحقوق والحريات دون اي تمييز من اي نوع (م٢) – الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية (م٣) – الحرية من إلاسترقاق وإلاستعباد (م٤) – حظر التعذيب والمعاملة او العقوبة القاسية او اللائنسانية او الحاطة بالكرامة (م٥) – الحق في الشخصية القانونية (م٦) – الحق في التساوي امام القانون (م٧) – الحق في اللجؤ الى المحاكم الوطنية لحماية الحقوق إلاساسية (م٨) – منع إلاعتقال او الحجز او النفي التعسفي (م٩) – الحق في التقاضي امام محكمة مستقلة ومحايدة نظرا منصفا وعلنيا (م١٠) – كل شخص بريء الى ان يثبت العكس قانونا – ولا عقوبة إلا على ما يعتبره القانون جرما (م١١) – الحق في الحماية من التدخل التعسفي في الحياة الخاصة أو الأسرة أو المسكن أو المراسلات (م١٢) – الحق في حرية التنقل واختيار محل الإقامة (م١٣) – الحق في اللجؤ الى بلاد اخرى خلاصا من الإضطهاد (م١٤) – الحق في التمتع بجنيسة ما (م١٥) – الحق في التزوج وتأسيس اسرة بحرية (م١٦) – الحق في الملكية (م١٧) – الحق في حرية الفكر والوجدان والدين (م١٨) – الحق بحرية الرأي والتعبير (م١٩) – الحق في حرية إلاشتراك في إلاجتماعات والجمعيات السلمية (م٢٠) – الحق في المشاركة في ادارة الشؤون العامة – وارادة الشعب مصدر السلطات تتجلى عبر انتخابات نزيهة ودورية (م١٢) .
الحقوق إلاقتصادية والثقافية: – الحق في الضمان إلاجتماعي (م٢٢) – الحق في العمل والحماية من البطالة لقاء اجر متساو وعادل من العمل – والحق في انشاء نقابات وإلانضمام اليها (م٢٣) – الحق في الراحة واوقات الفراغ (م٢٤) – الحق في مستوى معيشي لائق وفي الخدمات إلاجتماعية – ورعاية الأمومة والطفولة (م٢٥) – الحق في التعليم (م٢٦) – الحق في المشاركة الحرة في الحياة الثقافية – والحق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتبة على الإنتاج العلمي، الأدبي أو الفني (م٢٧) – حق التمتع بنظام اجتماعي ودولي يمكن ان تتحقق في ظله الحقوق والحريات (م٢٨).
[٥] يذكر من تلك القرارات على سبيل المثال: “القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء” (١٩٧٧)
[٦] الفقرة الأخيرة من مقدمة إلاعلان العالمي لحقوق الإنسان.
[٧]  الفقرة (ب) من مقدمة الدستور: “لبنان … هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والاعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء.”؛ والفقرة (ج): “لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة إلاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل”.
[٨] في ما يلي، قائمة بالحريات والحقوق الواردة في الباب الثاني من الدستور: المادة ٦: الحق بالجنسية اللبنانية. المادة ٧: مبدأ المساواة في الحقوق والموجبات. المادة ٨: الحرية الشخصية وأصول التوقيف ومبدأ أن لا عقوبة دون قانون. المادة ٩: حرية الإعتقاد وحرية اقامة الشعائر الدينية. المادة ١٠: حرية التعليم. المادة ١٢: المساواة في الحق بتولي الوظائف العامة. المادة ١٣: حرية ابداء الرأي وحرية الطباعة وحرية إلاجتماع وحرية الجمعيات. المادة ١٤: حرمة المنزل. المادة ١٥: الحق في الملكية الخاصة.
[٩] المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنية
[١٠] نذكر من المعاهدات التي لم يبرمها لبنان بعد: البروتوكول إلاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” الصادر بتاريخ ١٦/١٢/١٩٦٦ والنافذ منذ ١٦ كانون الأول ١٩٧٦؛ والبروتوكول الإختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ويهدف الى الغاء عقوبة الإعدام، والصادر في ١٥ كانون الأول ١٩٨٩؛ إلاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاانسانية أو المهينة، الصادرة بتاريخ ١٠/١٢/١٩٨٤ النافذة منذ ٢٦ حزيران ١٩٨٧.
[١١] نذكر من المعاهدات التي تحفظ عليها لبنان: اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، الصادرة بتاريخ ١٨/١٢/١٩٧٩ والنافذة منذ ٣ أيلول ١٩٨١، وقد أبرمها لبنان بموجب القانون رقم ٥٧٢ الصادر في ٢٤/٧/١٩٩٦ وتحفظ على مجموعة من أحكام الإتفاقية وهي تتعلق بحق المرأة بمنح الجنسية بالتساوي مع الرجل (المادة ٩)، وصلاحية محكمة العدل الدولية في النظر بالخلافات الناشئة عن تفسير أو تطبيق الإتفاقية (المادة ٢٩)، ومجموعة من المسائل المتعلقة بالتساوي في الحقوق والواجبات في العلاقات الزوجية والأسرة (المادة ١٦).
[١٢] Universal, Indivisible, Interdependent and Interrelated
[١٣] وقد قضى المجلس الدستوري الفرنسي بما يلي: “يستخلص من مبدأ الحرية بالذات، أن الجمعيات تتأسس بحرية وأنه يمكن الإعلان عنها تحت شرط وحيد هو الإعلام المسبق … وبالتالي، فإن تأسيس الجمعيات، حتى وان بدا انها قد تكون باطلة أو تعمل على تحقيق أهداف غير مشروعة، لا يمكن اخضاعها لتدخل مسبق من السلطة الإدارية أو حتى من السلطة القضائية … وان هذا الدور السلبي هو عنصر من العناصر الأساسية لحرية الجمعيات التي تقضي عليه أية رقابة مسبقة …” (المجلس الدستوري الفرنسي، ١٦ حزيران ١٩٧١).
[١٤] من مقدمة اعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر عن الجمعية العمومية الفرنسية بتاريخ ٢٦ آب ١٧٨٩: “لما كان جهل ونسيان أو ازدراء حقوق الإنسان هي الأسباب الوحيدة للمصائب العامة ولفساد الحكومات، قرر [ممثلو الشعب الفرنسي المنعقدين في جمعية عمومية] عرض الحقوق الطبيعية المقدسة وغير القابلة للتصرف في اعلان مهيب، لكي ما يبقى هذا الإعلان حاضراً على الدوام نصب أعين جميع اعضاء الجسم إلاجتماعي، فيذكرهم دوما بحقوقهم وبواجباتهم؛ [] ولكي ما تصبح مطالبات المواطنين، المبنية على مبادئ بسيطة وغير منازع فيها، تتجه دوما نحو تعزيز الدستور وسعادة الجميع .”
[١٥] راجع نص هذه الفقرة الأخيرة في مقدمة هذا المقال.
[١٦] من الأمثلة على ذلك، المادة ٤٢ من اتفاقية حقوق الطفل النافذة منذ ٣ أيلول ١٩٩٠: “تتعهد الدول الأطراف بأن تنشر مبادئ إلاتفاقية واحكامها على نطاق واسع بالوسائل الملائمة والفعالة، بين الكبار والأطفال على السواء.”
[١٧] نذكر على سبيل المثال من تلك الأحكام، الفقرة الأولى من المادة ١٠ من “اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاانسانية أو المهينة” الصادرة في ١٠ كانون الأول ١٩٨٤ (لم يبرمها لبنان بعد) التي نصت على ما يلي: “تضمن كل دولة ادراج التعليم والإعلام فيما يتعلق بحظر التعذيب على الوجه الكامل في برامج تدريب الموظفين المكلفين بانفاذ القوانين، سواء أكانوا من المدنيين أو العسكريين، والعاملين في ميدان الطب، والموظفين العموميين أو غيرهم ممن قد يكون لهم علاقة باحتجاز أي فرد معرض لأي شكل من أشكال التوقيف أو الإعتقال أو السجن أو باستجواب هذا الفرد أو معاملته”.
[١٨] من الأمثلة على هذه المنشورات الصادرة حديثا في لبنان باللغة العربية: “دليل تفعيل القواعد الدنيا لمعاملة السجناء” الصادر سنة ١٩٩٧ عن المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي بالتعاون مع معهد حقوق الإنسان لدى نقابة المحامين في بيروت. “اصلاح نظام السجون في لبنان” الصادر سنة ١٩٩٨ عن معهد حقوق الإنسان لدى نقابة المحامين في بيروت عقب تنظيم ندوة عن السجون في لبنان وادارتها. “مواطن الغد: الحريات وحقوق الإنسان” الصادر سنة ١٩٩٦ عن المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم. لور مغيزل، “حقوق المرأة الإنسان في لبنان في ضوء اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة”، الصادر سنة ١٩٩٧ عن اللجنة الوطنية لشؤون المرأة ومؤسسة جوزف مغيزل. وليد صليبي، “عقوبة الإعدم تقتل” الصادر سنة ١٩٩٧ عن جمعية “حركة حقوق الناس”. “الإتحاد لحماية الأحداث في لبنان: ٦٠ عاما” الصادر سنة ١٩٩٧ عن هذه الجمعية.
[١٩] راجع: الملاحظات الختامية للجنة حقوق الإنسان – الدورة التاسعة والخمسون في ٧ نيسان ١٩٩٦ CCPR/C/٧٩/Add. ٧٧
[٢٠] هناك جمعية باسم “الخدمة الدولية من أجل حقوق الإنسان”، مركزها جنيف في سويسرا، تعمل على تقديم مجموعة من الخدمات الإستشارية والتدريبية الى ناشطي حقوق الإنسان، ومنها توفير المعلومات التفصيلية عن اجتماعات ونشاطات لجان حقوق الإنسان المختلفة في منظمة الأمم المتحدة.
[٢١] نذكر منها على سبيل المثال التقارير التالية المنشورة حديثا خصيصا عن لبنان، باستثناء الفصول الخاصة في التقارير السنوية: عن منظمة العفو الدولية: “اسرائيل/جنوب لبنان – الرهائن المنسيون لدى اسرائيل: المعتقلون اللبنانيون في اسرائيل وفي معتقل الخيام” (تموز ١٩٩٧)؛ لبنان – تطورات وانتهاكات حقوق الإنسان” (تشرين الأول ١٩٩٧)؛ “اسرائيا/لبنان – قتل مخالف للقانون خلال عملية “عناقيد الغضب” (حزيران ١٩٩٦). عن منظمة مراقبة حقوق الإنسان/الشرق الأوسط: “اسرائيل – دون صفة أو حماية – المعتقلين اللبنانيين في إسرائيل” (تشرين الأول ١٩٩٧)؛ “اسرائيل/لبنان – عملية عناقيد الغضب – الضحايا المدنيين” (أيلول ١٩٩٧)؛ “سوريا/لبنان – تحالف في ما يتجاوز القانون – الإختفاءات القسرية في لبنان” (أيار ١٩٩٧)؛ “لبنان – تقييد على البث – في مصلحة من” (نيسان ١٩٩٧). عن وزارة الخارجية الأميركية – مكتب الديمقراطية، حقوق الإنسان والعمل: “تقرير لبنان” (كانون الثاني ١٩٩٨).
[٢٢] وكان هذا الإقتراح الأخير موضوع التوصية التالية التي قدمتها لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في “ملاحظاتها الختامية”: “٩ – […] وتوصي اللجنة بإعادة النظر بشكل شامل في الإطار القانوني لحماية حقوق الإنسان في الدولة الطرف، لضمان إلامتثال لجميع أحكام العهد. وتشجع الدولة الطرف كذلك على النظر في إنشاء مؤسسة أمين المظالم الوطني أو لجنة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان تتمتعان بسلطة التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان وتقديم توصيات إلى الحكومة بشأن إجراءات معالجة ذلك.”
[٢٣] ان المعلومات الإحصائية المعروضة في هذا القسم من المقال، مستقاة بشكل رئيسي من استمارات ملأها عدد من هيئات حقوق الإنسان التي اجتمعت في لقاء خاص في ٢٥ تشرين الأول ١٩٩٧ للتعارف ودراسة مدى امكانية التنسيق في ما بينها.
[٢٤] نورد على سبيل المثال، موضوع لجنة لدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية في نقابة المحامين في بيروت كما ورد في نظامها: “تعمل لجنة “الحريات العامة وحقوق الإنسان” للدفاع عن المبادئ والحريات والحقوق الواردة في الدستور اللبناني وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي المعاهدات والإتفاقات الدولية المكملة والمتممة لها والقوانين المتوافقة معها، ولنشرها وإلاعلام عنها ولتجسيد مبادئها في كل المجالات والحقول بدون استثناء، نصا وتطبيقا. تعمل وتتعاون “اللجنة” لتحقيق أهدافها مع المنظمات والهيئات الوطنية والعربية والعالمية العاملة في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان.”
[٢٥] تجدر الإشارة الى أن أكثرية هيئات حقوق الإنسان اللبنانية تتكل بشكل شبه كامل على نشاط أعضائها التطوعي؛ وقد لا يستثنى من ذلك إلا ما يقارب سبعة جمعيات التي لديها جهاز ادارى اما بدوام كامل أو بدوام جزئي.
[٢٦] يراجع تصريح الوزير ميشال المر المنشور في جريدة “السفير” بتاريخ الخميس ١١/١٢/١٩٩٧ وفيه: “… واؤكد اننا حريصون على الحريات وعلى الحريات العامة في لبنان اكثر من جميع الناس واكثر من الذين يزايدون بموضوع الحريات، واليوم (امس) في صحيفة “إلاوريان” وضعت عناوين مثل “تعذيب” و”توقيف احتياطي” و”مصادرات” الخ وكل هذا الكلام السيئ هدفه الإنقضاض على الدولة وليس هدفه المس بوزارة الداخلية، بل ينقض على القضاء وعلى الأجهزة الأمنية، وهو بعيد عن الواقع ويناقض الواقع تماماً، وكل ما قيل في هذه الصحيفة كذب. سئل: كيف سيكون الرد؟ فأجاب: ستطبق القوانين وتتحرك النيابات العامة وهذا ليس مساً بالحريات، بل وضع الأمور في نصابها…”.
[٢٧] راجع بهذا المعنى مقدمة “الملاحظات الختامية” الصادرة عن لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة (المرجع المذكور آنفا) وقد ورد فيها ما يلي: ٢ -ترحّب اللجنة بالتقرير الدوري الثاني الذي قدمته الدولة الطرف [لبنان] ولو بعد تأخير طويل وتعرب عن تقديرها لإستعداد الوفد لاستئناف حواره مع اللجنة. إلا أن اللجنة تأسف لأن التقرير وإن كان يتضمن بعض المعلومات المفيدة عن الإطار التشريعي العام في لبنان، لا يتناول بصورة منسقة الحالة الفعلية لتنفيذ العهد ولا يتطرق إلا بقدر محدود إلى الصعوبات التي إعترضت تنفيذه. وترى اللجنة أيضاً أن التقرير على درجة من القصر لا تتيح إلقاء نظرة شاملة على تنفيذ ضمانات العهد من جانب الدولة الطرف وتعرب اللجنة عن تقديرها لحضور الوفد وتقديمه بعض الإيضاحات المفيدة ردّاً على العديد من أسئلة اللجنة. ٣ – وتأمل اللجنة أن تساعد هذه الملاحظات الدولة الطرف على إعداد التقرير الدوري الثالث بمقتضى المادة ٤٠ من العهد وهو تقرير ينبغي أن يتضمن معلومات موضوعية وشاملة عن القضايا التي وصفت في الفقرات التالية بأنها تثير قلق اللجنة.
[٢٨] يراجع تقرير النائب العام التمييزي القاضي عدنان عضوم الموضوع “بناءً لتكليف من مجلس الأمن المركزي” رداً على تقرير منظمة العفو الدولية عن انتهاكات حقوق الإنسان في لبنان، ونشر في جريدتي “النهار” و”الديار” بتاريخ الخميس في ٦ تشرين الثاني ١٩٩٧”.