غسان مخيبر للسفير: اقتراح قانون الحق في الوصول الى المعلومات: ديموقراطية الشفافية لـ«أي شخص»… والمستتر هو الاستثناء وهو يتضمن إنشاء هيئة مستقلة لمراقبة تطبيقه ويفتح الباب لمسودة «حماية كاشفي الفساد»

بدأت تتسع دائرة التداول باقتراح قانون الحق بالوصول إلى المعلومات، الذي أصبح الآن اقتراحاً مسجلاً في مجلس النواب في انتظار عرضه على الهيئة العامة… والأمل كبير بتمريره.
ثمة حماسة كبيرة للاقتراح، لا سيما في أوساط الإعلاميين اللبنانيين الذين يصعب أن تجد بينهم من يقول انه اعتاد أو سلّم بصعوبات الحصول على معلومات أو إحصاءات أو مستندات من مختلف الإدارات العامة، وذلك رغم التاريخ المديد لهذه «الثقافة» في الأوساط الإعلامية، كما الإدارية العامة، التي قد تجعل بعض أبسط وأهم المعطيات لإنجاز تحقيق أو خبر صحافي في مصاف «السبق» من «مصدر» متعاون، أو الإنجاز الذي تسبقه ملاحقة دؤوبة.
غير أن التفاؤل بدفع الفكرة قدماً، من خلال إطار تشريعي ـ قانوني، لا ينحصر في الزملاء الإعلاميين، بل يزداد انتشاراً في أوساط موظفي الدولة وممثلي القطاع الخاص والبرلمانيين وغيرهم.
ولعل اللافت للانتباه هنا، بقدر المبدأ القانوني البديهي – الممتنع حتى الساعة، هو آلية «تسويقه» وناسها. فمن النادر أن يصادف المجتمع اللبناني تضافراً واسع النطاق، ناشطاً، يضم الإدارات والمجتمع المدني وبعض الطبقة السياسية والحقوقية، من أجل قضية تعني الصالح العام وشؤونه. والكلام هنا عن «الشبكة الوطنية لتعزيز الحق بالوصول إلى المعلومات»، التي تضم ١٧ ممثلاً عن جمعيات ووزارات وبرلمانيين وهيئات إعلامية ونقابات. ولعل الشق الواقعي والعملي، بل البراغماتي المفيد، في المسألة ينسحب على إبراز مصالح القطاعات المختلفة في إقرار مثل هذا القانون، وهو توجّه عصري في تحقيق الأهداف التي تخدم في النهاية مصلحة عامة. وبذلك لا تعود «لغة» المناصرة والتوعية تنحصر في العناوين العامة، التي غالباً ما لا يحول جمالها دون تحولها إلى خطاب خشبي، ولو كان في مديح الديموقراطية والشفافية والمحاسبة ومحاربة الفساد. فصحيح أن الشفافية وإتاحة المعلومات للعموم هي وجه من وجوه الديموقراطية وارتقاء المجتمعات ودفع عجلة الإصلاح، غير أن خلق صلات وصل بين القانون وحاجات المعنيين به ومصالحهم يثبت عملانية التحرك.
في ما يلي محاولة للمساهمة في حركة نشر التوعية حول اقتراح قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، والتعريف به، كما بجهود عدد من الأشخاص والمجموعات في خلق بيئة حاضنة له، ريثما يصبح ممارسة فعلية، علماً بأن إقـــرار القانون، ولو تم عاجلاً، ستظل تنقصه، آجلاً، المراسيم التطبيقية والهيئة المستقلة التي يفترض أن تكون مرجعية مستخدمي مفاعيله وحاميتهم، والمحققّة في ملفات فساد. والجدير بالذكر أن «الشبكة» تسعى، في الوقت نفسه، إلى إنهاء مسودة اقتراح قانون «توأم» لحماية كاشفي الفساد، من أجـــل منظومة قانونية متكاملة، كمـــا إلى انتزاع إطار تــشريعي للهيئة المستقلة التي ستكون مرحعية الشكاوى والتحقيق في كل خلاف يصدر عن تطبيق القــانون في ما بعد.
يتحدث النائب غسان مخيبر لـ «السفير» عن اقتراح قانون الحق بالوصول للمعلومات مثل «والد الصبي». ولا ينسى زملاءه النواب (من مجلس ما قبل الانتخابات الأخيرة) الذين تقدم وإياهم باقتراح القانون وهم: ياسين جابر، وليد خوري، عبد الله حنا، اسماعيل سكرية، وجواد بولس، بمؤازرة وزير الداخلية زياد بارود، من قبل ومن بعد أن يتسلم منصبه الوزاري، إذ ساهم الأخير في أبحاث المقارنة مع قوانين رديفة في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة لاستيحاء الصيغة الأفضل لبنانياً.
ويشرح مخيبر الحوافز التي ساعدت على المضي في الفكرة. فقد صادق المجلس النيابي، العام الماضي، على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وتطبيق الاتفاقية يتطلب مجموعة من الإجراءات التشريعية والإدارية، من ضمنها مجموعة قوانين لرفع مستوى الشفافية كوسيلة لمكافحة الفساد. ويعتبرأن «ثمة خطوة رائدة في طريقة العمل على هذا الموضوع، بالتضافر بين المجتمع المدني وعدد من الوزارات، بالإضافة إلى العمل على قوة دفع برلمانية والحصول على خبرة دولية وجزء كبير من التمويل من «جمعية المحامين والقضاة الأميركيين – مبادرة سيادة القانون – مكتب لبنان». وهو مقتنع بأن «صياغة اقتراح قانون جيد لا تكفي، بل يجب أن نسوّقه جيداً أيضاً ونعرّف به المواطنين والمسؤولين على حد سواء». يشدد مخيبر على أن «القانونين (الوصول للمعلومات وحماية كاشفي الفساد) وجهان للعملة نفسها: الديموقراطية، وذلك برفع مستوى المعلومات المتوفرة لكل الناس، نواباً ومواطنين وصحافيين، إلى جانب نشر تقارير دورية مثلاً من قبل مؤسسات عامة وشركات مخصخصة. وهذه نقطة مهمة جداً لأننا حرصنا على أن يكون تعريف الإدارة واسعاً جداً، ويشمل الهيئات التي تؤدي خدمة عامة من خلال إدارة المصلحة العامة في لبنان. أما القانون الثاني (حماية كاشفي الفساد وهو ما زال مسودة) فيسمح بمصادر إضافية للمعلومات يقدمها العاملون في الإدارات العامة، ونحن نشجعهم على فضحها».
وثمة اقتراح لقانون ثالث لإنشاء هيئة وطنية لمكافحة الفساد تقدّم به النائب روبير غانم من هيئة تحديث القوانين وأقر في لجنة الإدارة والعدل، «فرفع مستوى الشفافية يحد في ذاته من انتشاره لأنه يعيش في السرية. كشف الفساد وحده لا يكفي، يجب أن تتضافر قطاعات القضاء، والرقابة البرلمانية والسياسية، والهيئات المستقلة المشرفة على الإدارة (مثل ديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية، هيئة تأديب الموظفين، الخ..) لجعله مجدياً».
الزعماء والحصص والولاءات
القانونان، كما يقول مخيبر، «جزء من منظومة. والهيئة المستقلة يمكنها أن تفرض تسليم المستندات عند رفض أي جهة رسمية القيام بذلك. ويمكنها أيضاً التحقيق في حالات الفساد التي ترفع لها لإحالتها إلى الهيئات المختصة بحيث تحمي المتقدم بها من خطر الملاحقة بالقدح والذم. بل إننا نتناقش، في مسودة قانون حماية كاشفي الفساد، بإدراج فكرة تحفيز الموظف على كشف الفساد بمكافأة مالية (وهذا معمول به في الولايات المتحدة منذ مئتي عام، وتحديداً منذ عهد الرئيس ابراهام لينكولن). فمثلاً إذا استردت الدولة أموالاً مهدورة، نتيجة كشف حالة معينة من قبل موظف، تُصرف له نسبة معينة من هذه الأموال كمكافأة. وبالتالي نرى أن الهيئة، والحق بالوصول إلى المعلومات، وحماية كاشفي الفساد أركان قانونية تكمل بعضها البعض».
لكن الجميع يعرف «آلية» التوظيف في الإدارات اللبنانية، بدءاً من حصص الزعماء والطوائف، وانتهاء بـ «ترابط» الموظف ومسؤوليه في ملفات كثيرة، فكيف يتحمس موظف لكشف قضية فساد في حين أن ذلك قد يجعله يخسر «واسطته» ومدخله إلى الدولة؟ يقر مخيبر بهذه الإشكالية، لكنه يقول إن الرهان هو على الموظف النزيه كما على المصلحة السياسية، «بحيث قد يكشف فساد طرف، خصمُه السياسي». وماذا عن فترات المصالحة والتهدئة، عندما تنتفي المصلحة السياسية؟ يجيب مخيبر: «السؤال ما إذا كانت الأداة القانونية فعالة أم لا تفتح نقاشاً آخر، فهدفنا الآن هو إنشاء الإطارالقانوني المفتقد عندنا، وتفعيله. ومن داخله نناضل لتثبيته كنهج ومقاربة».
تبقى أزمة الأرشفة والمكننة في إداراتنا… وهنا يعود مخيبر إلى أننا اليوم، «للمرة الأولى، أمام نص ملزم، يكرّس الحق العام في الحصول على المعلومات، إلى حين تفعيل النظام بشكل عام، تدريجياً. في النهاية، علينا أن نبدأ من مكان ما».
وحماية الخصوصية الفردية والشؤون الخاصة للمواطنين؟ ألا تصبح مهددة؟ يجيب مخيبر بالعودة إلى نص اقتراح القانون، وتحديداً المادة السادسة التي تحدد المستندات غير القابلة للاطلاع، ومنها ما ينال من «أسرار الدفاع الوطني والأمن القومي والأمن العام»، أو «إدارة العلاقات الخارجية للدولة ذات الطابع السري»، «المصالح المالية والاقتصادية وسلامة العملة الوطنية»… بالإضافة إلى «وقائع التحقيقات قبل تلاوتها في جلسة علنية، والمحاكمات السرية التي تتعلق بالأحداث والأحوال الشخصية»، و«محاضر الجلسات السرية لمجلس النواب أو لجانه ما لم يقرر خلاف ذلك»، و«مداولات مجلس الوزراء ومقرراته التي يعطيها الطابع السري». وفي رأيه أن «الإنجاز هو أننا قلبنا الآية، فصار الاستثناء هو عدم الكشف وليس العكس».
لكن ماذا عن «تفسير» ما هو ممنوع؟ قد يرى طرف أن معلومة ما تنال من الأمن القومي، في حين يخالفه خصمه الرأي… «عندما يقع الالتباس يحين دور الهيئة المستقلة لنطق الكلمة الفصل»، يقول مخيبر، «هي أيضاً الجهة التي يستشيرها الموظف في إدارة ما، في حال التبست عليه إمكانية الكشف عن معلومة معينة. وبالعكس، يمكن لصحافي مثلاً اللجوء إليها في حال امتنع موظف عن تسليمه معلومة، فإذا رأت الهيئة أنها خارج شروط السرية، ألزمت الهيئة الإدارة بالكشف عنها لطالبها». أما عن آلية تعيين أعضاء الهيئة، فيقول انها معقّدة بعض الشيء، غير أنها تشبه إلى حد كبير آلية التعيينات في المجلس الدستوري، وهيئة الإشراف على الانتخابات، «وفي المبدأ تتشكل من خليط من القضاة والنقباء السابقين والمثقفين والصحافيين الخ.. شرط أن يتمتعوا بالمصداقية، وأن يكونوا منزهين عن عمل الدولة، ولا شك بضلوعهم في ملفات فساد، ولا مصالح لهم مع الدولة». من جهة ثانية، يضيء الحديث مع المحامية جورجيت سلامة (من مكتب زياد بارود للمحاماة)، على زوايا إضافية للموضوع، باعتبارها عملت تحت إشرافه على أبحاث المقارنة (من قبل أن يصبح وزيراً). إذ تشرح نتائج تقييم القانون اللبناني، في ما يخص البنود المتعلقة بالشفافية والحصول على المعلومات، كما تفصّل بعض المقاربات في دول متقدمة، والتي كانت مفيدة في صياغة اقتراح القانون.
تقييم القانون اللبناني
خلال عملية تقييم القانون اللبناني، لجهة توافر النصوص التي تعطي الحق بالوصول للمعلومات، توصل الفريق، بحسب سلامة، إلى عناصر أساسية ثلاثة. أولاً: الحق بالوصول إلى المعلومات، بناء للطلب، غير متوفر في القوانين اللبنانية في ما خلا بعض الاستثناءات، ومنها قانون الهيئة الناظمة للاتصالات (٢٠٠٢)، وقانون البيئة ووزارتها. أي أن الحصول على المعلومة، بشكل عام، هو الاستثناء، وهو حق محدود.
ثانياً: لا توجد قاعدة واضحة ومعممة لمسألة تعليل القرار الإداري بحيث تلزم أي إدارة بتفسير سبب اتخاذها قراراً معيناً يمكن أن يؤثر على حقوق شخص أو مجموعة من الأشخاص. وهنا أيضاً استثناءات، فيعلل وزير التربية مثلاً قراره إذا رفض الترخيص بفتح مدرسة خاصة، وكذلك وزيرالإعلام إذا رفض نقل رخصة مطبوعة معينة، ومثلهما وزيرالداخلية إذا أقفل مكان اجتماعات لجمعية معينة لأنه اعتبرها غير قانونية الخ. لكن التعليل ليس نهجاً في الإدارة اللبنانية. ثالثاً: نشر التقارير. ثمة إدارات ملزمة بنشر تقارير دورية حول أنشطتها، في الجريدة الرسمية، مثل المصرف المركزي، والتفتيش المركزي، وديوان المحاسبة. فمنهم من يثابر على ذلك، ومنهم من يتأخر. لكن، مرة أخرى، ليس من هيكلية قانونية تضمن ذلك في إدارات أخرى كثيرة.
وتتابع سلامة: «في القانون المقترح كل رئيس إدارة مسؤول عن إنتاج مثل هذه التقارير لتتضمن على الأقل برنامجها للعام، الإنجازات، الصعوبات، الخ..، ومنها البلديات ذات الأحجام المتوسطة والكبيرة، والشركات المختلطة التي للدولة أسهم فيها، مثل كازينو لبنان أو الريجي، أو أي شركة خاصة تدير أو تطور ملكاً عاماً».
وتنوه سلامة بالتوجه الحالي إلى «توسيع مفهوم الإدارة العامة، ليتجاوز الدولة والمؤسسات العامة، إلى الأشخاص أو المجموعات ذات المنفعة العامة، حتى ولو لم تكن تابعة للدولة. فهذه الفئة الأخيرة تحصل على إعفاءات من الضرائب، وبالتالي تتمتع بامتيازات تضعها في صلب اقتراح القانون الذي يجيز للمجتمع مطالبتها بالشفافية. حتى توصيف طالب المعلومة، والمخول الحصول عليها، تم توسيعه، فهو ليس «المواطن» وحسب (أي كل من يحمل الجنسية اللبنانية) بل جعلناه أي شخص، حتى ولو كان أجنبياً أو شركة أو جمعية الخ.. فهذا يحفز الاستثمارات والحركة التجارية، وهو مفهوم أقرب إلى القانون الفرنسي». ومن إيجابيات قانون الحق بالوصول للمعلومات، برأي سلامة، «إلزام المصدر بإعطاء المعلومة إلى طالبها خلال ١٥ يوماً، وهذا وقت معقول بحسب المعايير العالمية. ومع الأخذ في الاعتبار وضع الأرشيف في لبنان، تكون المهلة قابلة للتمديد ١٥ يوماً إضافياً. وإذا لم تتوفر المعلومات يجب أن يتم تعليل القرار. في حين أن الاطلاع على الملف في مكانه، والحصول على نسخة إلكترونية منه (بالبريد الإلكتروني مثلاً) هو مجاني، أما الحصول على صورة عن المستندات أو نسخة على قرص مدمج فبكلفة لا تتعدى كلفة الورق أو القرص المدمج».
وتعود سلامة إلى مرجعية مراقبة ومتابعة تطبيق قانون الحصول على المعلومات: «في عدد من دول الاتحاد الأوروبي هناك ما يسمى «الوسيط» بين المواطنين والإدارة، وفي فرنسا هناك سلطة تراقب التطبيق. في لبنان، يذكر القانون المقترح إنشاء هيئة تراقب تطبيقه وتلزم الإدارات بتقديم المعلومات إن كانت ضمن معايير كشفها وتفصل وتحقق في ملفات الفساد خلال مهل زمنية مضبوطة». وما زالت هذه الهيئة بانتظار انتهاء مسودة قانون حماية كاشفي الفساد، ما يعني أنه حتى لو أقر القانون في مجلس النواب، فإن العمل يجب أن يستمر لإيجاد المراسيم التطبيقية للهيئة وإدارتها الداخلية وآلية التعيينات والإطار الذي يضمن لها أكبر قدر ممكن من الاستقلالية.

الطريق إذاً ليست سهلة، والهدف ليس قريب المنال. لكن الخطوات الأولى صارت حقيقة واقعة.