كلمة النائب الأستاذ غسان مخيبر ممثلا دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري في افتتاح المؤتمر السنوي لمنظمة برلمانيون عرب ضد الفساد ” البرلمانيون العرب وتحديات المشاركة الفاعلة في مواجهة الفساد”

بتاريخ السابع من أيار عام ٢٠١٠، عقدت “منظمة برلمانيون عرب ضد الفساد”، المؤتمر البرلماني الرابع لمكافحة الفساد في مجلس النواب اللبناني برعاية رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري تحت عنوان  “البرلمانيون العرب وتحديات المشاركة الفاعلة في مواجهة الفساد“.

 

استهل النائب مخيبر المؤتمر بالكلمة الاتية:

يشرفني ويسرني، باسم دولة رئيس مجلس النواب اللبناني الأستاذ نبيه بري، ان ارحب اجمل ترحيب بجميع الوفود البرلمانية العربية المشاركة في هذا المؤتمر، لا سيما برئيس واعضاء منظمة برلمانيون عرب ضد الفساد، وبجميع ممثلي الهيئات الدولية الرسمية وهيئات المجتمع المدني والخبراء المشاركين.

ينعقد مؤتمركم تحت عنوان هام وطموح، الا وهو “البرلمانيون العرب وتحديات المشاركة الفاعلة في مواجهة الفساد”.

اما التحدي، فهو حقيقي وكبير جدا، في لبنان وفي جميع الدول العربية ودول العالم اجمع، يتمثل بواجب مواجهة ومكافحة الفساد والوقاية منه، وهو آفة سرطانية تنخر كافة سلطات وهيئات ومؤسسات الدولة، في القطاعين العام والخاص، في السلطات المركزية والهيئات اللامركزية. يكفي لتبيان مدى سوء الحال، استحضار المستوى المتدنى جدا الذي يقع فيه لبنان ومعظم الدول العربية على قائمة مدركات الفساد التي تصدرها “منظمة الشفافية الدولية”، وهي تتنافس على المراكز الواقعة في الجزء الأخير من هذه القائمة العالمية.

وما ادراكم ما الفساد، الذي هو باختصار: “استغلال النفوذ أو السلطة العامة أوالمال العام لتحقيق مكاسب خاصة غير متوجبة” (وفي لبنان، تضاعف الطائفية من مساوئ الفساد). وفق هذا التعريف، تكثر ممارسات الفساد، ويتفنن الفاسدون والمفسدون في استغلال النفوذ والسلطة والمال لمصالحهم او لمصالح زبائنهم او محاسيبهم؛ ويتفننون في طرق وسبل التحايل على على بضعة قوانين او مؤسسات ادارية او قضائية قد تجهد للمكافحة، كما يتفننون في تغطية فعلتهم، فلا يتركون اثرا لها، او يتولى نافذون سياسيون تغطيتها، ما يجعل المساءلة والمحاسبة امرا صعبا، ان لم يكن مستحيلا. فيصح بذلك القول المأثور في لبنان ان “السرقة كثيرة وليس هناك من “حرامية” (سارقين)”، اي ان الفساد كثير وفعالية مكافحته متدنية او منعدمة.

 

في بداية تسعينيات القرن الماضي، تبلور توافق دولي على ضرورة توجيه الجهود نحو الحد من خطر الفساد وتأثيراته المدمّرة على الديمقراطية والتنمية وأمن الإنسان. وهو اليوم يترسّخ أكثر مع تداعيات الأزمة المالية العالمية وتعاظم تحديات تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية. لقد أنتج هذا التوافق إتفاقية الأمم المتّحدة لمكافحة الفساد سنة ٢٠٠٣ التي جاءت لتضع إطاراً شاملاً يساعد الدول على الوقاية من الفساد وملاحقته وإسترداد الموجودات المتأتية عنه. وقد دخلت الإتفاقية حيز النفاذ سنة ٢٠٠٥، وهي الآن تضمّ أكثر من ١٤٥ دولة طرف بينها ١٦ بلد عربي. ولم يكتف المجتمع الدولي بإصدار الإتفاقية، بل عمل من أجل وضع آلية لمراقبة تنفيذها، أُقرّت مؤخراً في مؤتمر الدوحة في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٠٩. وفي عقب هذا الإنجاز، وجّه الأمين العام لمنظمة الأمم المتّحدة رسالة بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد قال فيها “من الآن فصاعدا، سوف يُحكم على الدول بما تتخذه من إجراءات لمكافحة الفساد، وليس بمجرد الوعود التي تقطعها على نفسها.”

 

الزميلات والزملاء البرلمانيين، السيدات والسادة،

يكثر الكلام عن السياسات والأدوات والمؤسسات الضرورية لمكافحة الفساد والوقاية منه، ما يشار اليه بنظام الشفافية والنزاهة، الذي يتضمن، مثلا، تفعيل عمل القضاء ومؤسسات الرقابة والمحاسبة الإدارية، وتجريم اعمال الفساد، وتبسيط المعاملات الإدارية، وتطوير الوظيفة العامة؛ كما يكثر الكلام عن اهمية بناء التحالفات ما بين الهيئات الرسمية وهيئات المجتمع المدني والإعلام، والتعاون الدولي. وكل ذلك صحيح وضروري.

لكن ما يميز مؤتمركم والمنظمة الداعية اليه، هو التركيز على دور البرلمانات والبرلمانيين كأدوات اساسية في مكافحة الفساد والوقاية منه، اللهم اذا توفر لهذه البرلمانات البيئة الديمقراطية المناسبة والسليمة، وكان لها الفعالية في اداء ادوارها المطلوبة في التشريع والرقابة والمساءلة والمحاسبة.

اولا:    على البرلمان الإلتزام بخطة عمل، يمكن ان يشكل انطلاقتها ابرامه لإتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وقد ابرمها لبنان في نيسان/ابريل ٢٠٠٩. تتيح هذه الإتفاقية اطلاق دينامية سياسية وتشريعية هامة جدا؛ كما تشكل اطارا تقييميا شاملا للنظام التشريعي والمؤسساتي القائم في كل دولة عبر آلية المتابعة التي انشأتها منظمة الأمم المتحدة واتفاقية مكافحة الفساد بالذات. ذلك ما سوف يعمل على تبيانه الجزء الأول من مؤتمركم المخصص لبحث ومناقشة “آليات استعراض تنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد: التزامات الدولة ودور البرلمان”.

ثانيا:    على البرلمان تطوير العمل التشريعي لإقرار القوانين المفيدة لمكافحة الفساد والوقاية منه. في لبنان على سبيل المثال، امام مجلس النواب تحدي الإنتهاء من مناقشة واقرار عدد من مشاريع واقتراحات القوانين المطروحة حاليا على اللجان، ابرزها: انشاء هيئة وطنية لمكافحة الفساد، وتعديل قانون الإثراء غير المشروع، واقرار اقتراح قانون الحق بالوصول للمعلومات. كما يتوقع طرح اقتراحي قانون جديدين: احدهما يتعلق بتعارض المصالح والثاني بحماية كاشفي الفساد. ويبقى على مجلس النواب اقرار العديد من القوانين الضرورية الأخرى. اما سر نجاح البرلمانات في صياغة النصوص المفيدة، والمحتضنة سياسيا ومجتمعيا، فهي عملية دقيقة لا تقتصر على التقنية القانونية. ذلك ما سوف يعمل على تبيانه الجزء الثاني من مؤتمركم المخصص لبحث ومناقشة “المسار التشريعي: بناء التحالفات من اجل تشريعات فاعلة ضد الفساد”.

ثالثا:    على البرلمان تطوير وظيفته الخاصة بالرقابة والمحاسبة، في اللجان وفي الهيئة العامة وفي اعمال البرلمانيين الفردية والجماعية عبر الكتل النيابية، التي يعمل بعضها في لبنان على مراقبة البعض الآخر والوزارات، بالرغم من وجود حكومة وحدة وطنية تجمع غالبية الأطراف السياسية. وبديهي القول أن افضل القوانين تبقى حبرا على ورق، ان لم تدعم تنفيذها ارادة سياسية جدية، تعمل على رفع الغطاء عن الفساد والفاسدين، وتفضحهم في الإعلام وفي اللجان النيابية العامة ولجان التحقيق الخاصة، وتعمل على احالة الفاسدين الى القضاء، هذه السلطة الدستورية الثالثة التي يجب ان ترتفع يد السياسة والسياسيين عنها، ويجب العمل على تحويلها الى سلطة مستقلة، نزيهة وفاعلة. اما سر نجاح البرلمانات في حسن اداء تلك الوظيفة الرقابية، فهي ايضا معقدة وفي غاية الأهمية؛ ذلك ما سوف يعمل على تبيانه الجزء الثالث من مؤتمركم المخصص لبحث ومناقشة “آليات الرقابة: قدرات البرلمانيين، التحديات والتطلعات”.

الزميلات والزملاء البرلمانيين، السيدات والسادة،

ان كل هذه المسؤوليات الملقاة على عاتق البرلمان لا تلغي دور البرلمانيين الأفراد، الذي يبقى عملهم ونشاطهم المحرك الأول لأي عمل جدي في مكافحة الفساد. وفي هذا الإطار، لا يسعني الا الترحيب بمنظمة “برلمانيون عرب ضد الفساد” التي تضم خيرة من الزميلات والزملاء البرلمانيين الملتزمين قضية مكافحة الفساد، افرادا ومجموعات، يعملون خارج اطار الإنقسامات السياسية، على تعميق ثقافة النزاهة والشفافية في عالمنا العربي الذي لا يزال يجهد في سبيل الديمقراطية وسيادة القانون، ويعمل على اعادة الإعتبار الى العمل السياسي البرلماني لتنقية الذات والمؤسسات السياسية المختلفة، لتعود هذه السياسة الى ما يفترض ان تكون عليه: “فن شريف في خدمة الإنسان”.

الزميلات والزملاء البرلمانيين، السيدات والسادة،

ان لبنان وشعبه، العاشق للحرية والديمقراطية، يفتخر ان يحتضن منظمتكم المؤسسة فيه، ويفتخر ان يستضيف مؤتمركم السنوي هذا، الذي نتمنى له النجاح والتوفيق.

تكرارا اهلا وسهلا بكم في وطنكم الثاني لبنان،

عشتم، وعاشت البرلمانات الديمقراطية ادوات فعالة في تحدي مكافحة الفساد.