كلمة النائب غسان مخيبر في مؤتمر صحافي حول إعلان “دليل البرلماني العربي للرقابة المالية” في نقابة الصحافة

كلمة النائب الأستاذ غسان مخيبر

أمين صندوق منظمة برلمانيون عرب ضد الفساد

رئيس مجموعة برلمانيون لبنانيون ضد الفساد

          ياتي إعلان “منظمة برلمانيون عرب ضد الفساد” كتابها الجديد “دليل البرلماني العربي للرقابة المالية” اليوم، بالتزامن مع أزمات اقتصادية ومالية على المستويين الدولي والمحلي اللبناني.

فعلى المستوى الدولي، أدت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى المطالبة باستخدام جميع الوسائل المتاحة لمكافحة الفساد وتعزيز أسس الحكم الصالح والرقابة القصوى المفيدة على القطاعات المالية، الخاصة والعامة. هذه الأزمة أثرت بشكلٍ كبير على اقتصادات الدول العربية التي تعاني من نقصٍ كبير في أدوات الشفافية والمساءلة والمحاسبة، حيث تغيب في معظمها فعالية الرقابة البرلمانية المالية، وقوانين “حق الوصول إلى المعلومات” وموازنات البرامج والأداء ومكاتب الموازنة.

أما على المستوى الداخلي اللبناني، فحدث ولا حرج، عن غياب فعالية الرقابة البرلمانية، والأسوأ منها استمرار عمل الدولة دون موازنات عامة منذ العام ٢٠٠٦. وما زال مجلس الوزراء يتخبط في ازمة اقرار موازنة العام ٢٠٠٩ والدولة تعمل منذ سنوات على اساس القاعدة الإثني عشرية، وكل ذلك بمخالفة للدستور والقواعد البديهية للحكم السليم. اضف الى ذلك خروج الكثير من مداخيل ومصاريف الدولة عن اطار الموازنة العامة؛ خاصة تلك الواردات الناتجة عن هبات او القروض الدولية التي يتم اقرارها مجتزأة، بالقطعة، وفي شبه بازارات تشريعية بات مجلس النواب اللبناني ينتفض عليها رافضا، ومطالبا بتعديلها جذريا.

حيال هذه الأزمات، وهذا الواقع المرير، يبرز التساؤل عن الدور الذي يستطيع أن يلعبه البرلمانيون في مراقبة كيفية جباية الواردات وعقد النفقات وعن الأدوات المساعدة لهم (غير الصلاحيات التي يتمتعون بها قانوناً) التي تمكنهم من تطوير قدراتهم وخبراتهم ومقارنة واقعهم الحالي مع تجارب الدول الأخرى بما يضمن المحافظة على الأموال العامة.

في هذا الإطار، اذا، يأتي إصدار هذا الدليل ليشكل أداة جديدة بيد البرلمانيين العرب تساعدهم على تعزيز قدراتهم الرقابية الماليةوتفتح لهم الآفاق لتطوير ادوات ومؤسسات جديدة لتفعيل الرقابة المالية.

نستعرض في ما يلي ابرز المسائل التي يفيد لفت النظر اليها في مضمون الدليل مع بعض تطبيقاتها بالنسبة للحالة اللبنانية:

اولا:    ورد في مقدمة الدليل تفسيراً لأركان الرقابة المالية الأربعة ومنها: “التعاون والتنسيق مع المؤسسات الرقابية المالية والسعي لإقرار القوانين التي تضمنحق الجميع في الوصول إلى المعلومات”. هذا التوجه هو تحديداً ما نسعى إلى تطبيقه في مجموعة “برلمانيون لبنانيون ضد الفساد”. فقد تقدمت المجموعة في ١٤ نيسان ٢٠٠٩، باقتراح قانون “حق الوصول إلى المعلومات” الذي يشكل ركيزة أساسيّة لتأمين رقابة المواطن على أعمال الإدارة ومكافحة الفساد والوقاية منه ولضمان الحكم الصالح والإدارة الفعّالة.

ثانيا :  ورد في النموذج رقم ٢ من الدليل تفسيراً للفارق ما بين الرقابة الأفقية التي تمارسها السلطات الدستورية الثلاثة، والرقابة العامودية التي يمارسها المواطنون والمجتمع المدني ووسائل الإعلام. أما الجديد فهو يكمن في الحديث عن البرلمان الذي يلعب دوراً أساسياً في الرقابة العمودية أيضاً وذلك من خلال التعاون مع المجتمع المدني. “إذ يُعتبر البرلمان بالنسبة للمواطنين والمجتمع المدني الوسيلة التي من خلالها يستطيعون مساءلة السلطة التنفيذية ومن ثم محاسبتها”.

 

ثالثا:    أكد الدليل على “اعتبار الموازنة عملية (PROCESS) وليس حدثاً (EVENT) تمتد من دورة انتخابية إلى أخرى“. هذا الأمر يحتّم على البرلمانيين التركيز على مسألتين أساسيتين: الأولى، إدراك مراحل الموازنة المختلفة من الإعداد والمناقشة في اللجان والإقرار ومن ثم التطبيق، والثانية أهمية إطّلاعهم على مضامين التقارير الدورية التي تصدرها السلطة التنفيذية ومراقبتها، وهذا تحديداً ما يوضحه الدليل من خلال استخدام نماذج دولية وعربية مختلفة في هذا المجال.

 

رابعا:  حذّر الدليل من عدم التصويت على الموازنة العامة كما حصل في لبنان خلال أعوام ٢٠٠٦ و ٢٠٠٧ و ٢٠٠٨، وأيضاً من التأخير في إصدار تقارير تدقيق الحسابات لفترات طويلة (ونسميها في لبنان “قطع الحساب”)، الأمر الذي يجعلها قليلة الجدوى. وقد ترافق هذا التحذير مع شرح مطوّل عن الوضع الاستثنائي الذي يمر به لبنان وسلبيات القاعدة الإثنتي عشرية المعتمدة في هذه الحالة.

خامسا: شدد الدليل على اعتبار الموازنات، حين تكون فعّالة، الأداة اللتي تقوم السلطة التنفيذية من خلالها بتحديد واختيار ما تنوي تقديمه فعلاً للمواطنين وكيفية تغطية تكاليفها. ولمزيدٍ من التوضيح تطرق الدليل إلى موضوع “موازنة البرامج والأداء” التي تتميّز بكونها تبين الأهداف التي تُطلب لها الإعتمادات المالية، وأيضاً تطرح تكاليف البرامج المقترحة للوصول إلى تلك الأهداف، وهي تختلف اختلافاً تاماً عن مفهوم الموازنات التقليدية المطبقة من قبل دول المنطقة العربية. ويشار الى ان مؤتمر باريس ٣ الخاص بلبنان اوصى بتطوير قانون المالية العام لتمكين مثل هذا النوع الجديد من الموازنات، كما اوصى بادخال جميع موارد الدولة في الموازنة العامة، تفعيلا للرقابة البرلمانية الفعالة عليها.

سادسا: في الفقرة الخاصة “ببحث الموازنة”، أعطى الدليل وصفاً دقيقاً لواقع البرلمانات التي تعاني من عدم امتلاكها الخبرة الضرورية لمثل هذه المناقشات بفعالية، خاصةً في الدول العربية، حيث تضعف قدرة البرلمانيين على مناقشة الموازنات لعدم توفر الاختصاص، كون معظمهم من خلفيات ليست مالية. في مقابل هذا الواقع طُرحت مسألة إنشاء “مكاتب للموازنة” لدراسة الموازنة مع تحديد أبرز الإشكالات التي تواجه إنشاء مثل هذه المكاتب في المنطقة العربية وأهدافها وأهميتها، بالإضافة إلى حلولٍ أخرى تشكل مرتكزاً أساسيا لمزيدٍ من الشفافية في الموازنة العامة. وقد عملنا في لجنة المال والموازنة في لبنان على انشاء مثل هذا المكتب بالتعاون مع عدد من الهيئات الدولية المتخصصة.

سابعا: في إطار “المساءلة البرلمانية” الواردة في قسم “مراقبة النفقات العامة”، أتت الملاحظة التالية: ” يشكو بعض البرلمانيين من عدم قدرة البرلمان على معاقبة الوزراء الذين لا يستجيبون للمساءلة، مما يؤدي إلى إضعاف فعالية الأسئلة. ولذلك تعمل بعض البرلمانات على إصلاح نظامها الداخلي “. تبرز أهمية هذه المسألة لأنها تطرح مباشرة فعالية الرقابة والمساءلة والمحاسبة البرلمانية وتأثيرها على توازن السلطات، حيث تطغى السلطة الإجرائية في غالبية الدول العربية طغيانا كبيرا على السلطة التشريعية. أما الحلول، فبتطوير النظام الداخلي للبرلمانات. ومثال على ذلك، اقتراح القانون الذي كنت قد تقدمت به في ٢٧ نيسان عام ٢٠٠٦ (نموذج رقم ١١) الذي يهدف إلى تعزيز قدرات البرلمانيين الرقابية بما يضمن مساءلة السلطة التنفيذية بطريقةٍ أكثر فعّالية.

ثامنا: أوضح الدليل في القسم الأخير منه أهمية التعاون بين المراقبين العامين ودواوين المحاسبة العامة وهيئات مكافحة الفساد التي تسعى الدول العربية إلى إنشائها كما حدث في كل من اليمن والأردن بما يتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي وقّع عليها حتى الآن ثلاثة عشر دولية عربية، وإبراز المبادئ المنظمة لعمل تلك الهيئات أيضاً. نشير في هذا الإطار بالنسبة الى لبنان اهمية طرح التقارير السنوية او التقارير والقرارات الخاصة التي تضعها الهيئات الرقابية، لا سيما ديوان المحاسبة، في المناقشة البرلمانية في جلسات خاصة مدعوة لهذا الغرض.

تاسعا: شدد الدليل على أهمية أن يتمتع الموظفون العامون بالاستقلالية وخاصةً موظفو البرلمان، على أن يتم تعيينهم على أساس الجدارة والكفاءة بحيث يكونون مؤهلين تأهيلاً جيداً على القيام بواجباتهم. وعلى دور وسيط الجمهورية أو ديوان المظالم وعلى حق المواطنين بالوصول إلى المعلومات وأخيراً على إبراز أهمية التعاون بين المجتمع المدني والبرلمانيين من خلال الحديث عن التعاون القائم بين الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية- لافساد ومنظمة برلمانيون عرب ضد الفساد.

في الختام

نأمل أن يمكّن هذا الدليل البرلمانيين من تعزيز قدراتهم الرقابية، وأن يشكل احدى الأدوات التي تساعدهم على الاستفادة من التجارب والخبرات الدولية والى فتح آفاقٍ جديدة أمامهم، بحيث يصبح الدليل مرجعاً هاما يعتمدون عليه لمزيدٍ من الشفافية والمساءلة والمحاسبة في مراقبة الأموال العامة.

 

Previous Page