كلمة النائب غسان مخيبر في مناقشة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي

كلمة النائب غسان مخيبر

في مناقشة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي

الحاجة الى العودة الى المؤسسات:

أحمد الله على عودتنا الى هذه القاعة العامة، حيث فيها وحدها يفترض ان نهاب جميعا واجبنا، بأن نمثّل وفق احكام الدستور، الأمة اللبنانية جمعاء. ههنا مكان الحوار والنقاش، وان صار اختلاف وبعض الحدة في الكلام او المواقف. ويبقى الحوار عنوان آخر للديمقراطية، لا بل احد شروط قيامها. لذلك آمل ان نستمر في عقد جلسات دورية لمجلس النواب في هيئته العامة، علنا نطور معا ثقافة التخاطب والحوار والعمل مع بعضنا البعض بالرغم من الإختلافات.

 

الحكومة:

من منطلق حاجة كل لبناني الى مؤسسات ديمقراطية فاعلة، لا بد لي من الترحيب بتشكيل هذه الحكومة، بعد ان كاد الوضع السياسي والإداري والمؤسساتي في لبنان يصل الى الحضيض، لا بل الى “ما تحت التحت”، مع استمرار شرذمة الدولة وتقطيع اوصالها مصالح داخلية وخارجية فاسدة ومتنافسة، تحيا على الزبائنية واقتصاد الرعاية.  ان هذا الواقع المؤسساتي المتهاوي، وواقع الفساد المستشري، وبنية الدولة المتصدعة هي من أسباب جميع ازماتنا الرئيسية، يصلح فيها تكرار مقولة احد السياسيين الظرفاء في الجمهورية الرابعة الفرنسية حين قال، “أن السلطة سقطت الى درك، لم يعد المطلوب بعده استرجاعها بل لمها من الحضيض”.

Le pouvoir est tombe si bas qu’il ne s’agit plus de le reprendre, mais de le ramasser.

قد يأسف احدنا لعدم تمثيله في الحكومة، ويأسف لتبدل الأكثريات ورئيس الحكومة ويستنكر ذلك لأسباب واسباب. انما لا مجال لأحد في التنكر لوجوب احترام مبدأ التداول السلمي للسلطة.

قد يأسف البعض ايضا، وانا شخصيا منهم، لغياب تمثيل المرأة فيها. آمل ان تكون هذه المرة الأخيرة لغبن المرأة في الوزارة، على ان تبادر مختلف السيدات والجمعيات والقوى السياسية الى ابراز قيادات نسائية لديها، وهي كثيرة، تصلح لأن تتولى المسؤوليات النيابية، والوزارية، والإدارية، والبلدية بجدارة.

انما لا بد لي أيضا من التأكيد على أن هذه الحكومة تزخر بالطاقات التي اثبتت جدارتها لتولي المسؤوليات، لا بد أن تعطى فرصة لإستكمال مسيرة بناء الدولة وخدمة الوطن والمواطنين.

قد يخشى البعض من هيمنة حزب واحد على مقدرات وقرارات الحكومة. وهذه الخشية في المبدأ صحيحة، لأن لبنان لا يمكن ان يحكمه حزب واحد أو طائفة واحدة. لكني ما زلت اسعى لفهم حقيقة هذه الخشية في الواقع، في ما يتجاوز اعداد العدة للصراع او المنافسة السياسية والإنتخابية. فالحكومة السابقة والأسبق والأسبق للأسبق كان فيها وزيران لحزب الله، وما زالوا هم هم. واما السلاح ونفوذ حزب الله، فهو ليس اكتشاف مفاجئ، فكان موجودا ايضا منذ عشرات السنين، وخلال الحكومات الحريرية والسنيورية وكان يتنامى! فبالله عليكم، ما الجديد في هذه الحكومة، في نظركم، سوى ان الرئيس تغير، وتغيرت معه الأكثرية، وهي متنوعة لا من لون واحد: فيها من قوى ٨ آذار ومن تكتل التغيير والإصلاح، ومن الوزراء المتحالفين مع فخامة رئيس الجمهورية او دولة الرئيس ميقاتي ومن المستقلين، ولم ينتسب أي من هؤلاء الوزراء لحزبالله ولا هم خاضعون لهذا الحزب، وان تحالف بعضهم معه. لا بل اكثر، اذا راجعتم الأسماء والتاريخ السياسي للوزراء ولتياراتهم وتجمعاتهم، لوجدتم بأن اكثرية وزراء الحكومة شارك في ثورة الأرز في ١٤ شباط ٢٠٠٥ لا بل اعد لها وكان من اركانها.

اما بالنسبة لطبيعة الحكومة: فكان الخيار بين حكومات الأكثرية والحكومات المسماة في لبنان “وحدة وطنية”، وهي واقعا حكومات ائتلافية. وكلي النوعين من الحكومات جائز وصحيح في نظامنا السياسي الموصوف “توافقيا”، وفي كل نوع من انواع هذه الحكومات حسنات وسيئات، وان فضلت شخصيا الأولى (أي الإئتلافية).

تذكرون بأن نقاشا طويلا دار منذ بضعة سنوات مشككة بفعالية حكومات الوحدة الوطنية او حتى بائتلافها مع مبدأ الديمقراطية. قد تتذكرون صورة العربة التي يشدها حصانان الى اتجاهات مختلفة، التي الصقت بالحكومات الإئتلافية السابقة، وكم من رأي افتى بوجوب قيام حكومات ذات اكثرية واضحة ومعارضة واضحة. وها نحن اليوم في حالة شبيهة لهذه الحكومات ذات الأكثرية، وهي عمليا حكومة ائتلافية اضيق ائتلافا من الحكومة السابقة، وتتكتل في مواجهتها معارضة عريضة وواضحة. فلنسعى اذا الى ادارة هذه التجربة ادارة حكيمة تحفظ مصالح الوطن والمواطنين.

في هذا الإطار، لا بد لي من الترحيب بالمعارضة الموعودة، لا بل أؤكد على اهمية وضرورة استمرار الرقابة والمساءلة، بما فيه من نواب الأكثرية، ونحن من الذين يسعون لتفعيل المساءلة والرقابة الدائمة على اساس فصل السلطات. سوف ندعم هذه الحكومة ونؤازرها في كل عمل صالح، ونشير الى اي خطأ او تقصير، ونحثها على عمل اكثر في خدمة المواطنين.

أما شرط نجاح هذه التجربة، دون ان يصير تشويهها، فهو في الإبقاء على الحوار الضروري مع المعارضة في جميع المسائل، لا سيما في الأساسية منها، مثل الحاجة الى السيادة والحرية والأمن، والحاجة الى العدالة، والحاجة الى التنمية المستدامة وتأمين الخدمات والحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية. سوف استعرض هذه المواضيع على التوالي.

 

أولا:    الحاجة الى السيادة والحرية والأمن

هذه من المقومات الأساسية لقيام اية دولة. لذلك، لن نسمح لهذه الحكومة أو لأية حكومة او حزب او طائفة او دولة او قوة خارجية، بان تفرط بالمكتسبات في تعزيز السيادة والحرية الإستقلال في لبنان، ورأيي ان الحكومة لن تفرط بها. لقد دفعنا ودفع اللبنانيون ثمنا غاليا وتضحيات كبيرة للتمكن من الارتقاء على طريق السيادة والحرية الإستقلال في لبنان، منذ ما قبل ١٤ آذار ٢٠٠٥ (على سبيل المثال، تذكروا خطاب الدكتور البير مخيبر في هذه القاعة في العام ٢٠٠٠) وخلال الإنتفاضة السيادية للبنانيين من جميع الطوائف في ١٤ آذار ٢٠٠٥ ، وبعد هذا التاريخ ونستمر دون هوادة.

لا نقبل او نسهل عودة اية هيمنة لأية مصلحة خارجية على حساب المصلحة اللبنانية، ولا نقبل او نسهل تدخل أية دولة من الشرق او الغرب، ايا كانت هذه الدولة ذات الطموح او المصلحة: ان سوريا او أيران او السعودية او اية دولة من الدول الغربية. نستمر في رفض مطلق لمنطق لبنان الساحة المستباحة لصراعات المحاور او لصراع الآخرين بواسطة القوى اللبنانية. ونستمر أيضا في دعم كل سياسة تسعى الى بناء علاقات الصداقة والتعاون الندية المفيدة بين لبنان وجميع الدول الصديقة، القريبة والبعيدة في الشرق زفي الغرب.

في موضوع الأمن، الذي هو المطلب الأول للبنانيين، لن نقبل أي استعمال للسلاح في الداخل اللبناني، فهذا محرم على اي كان سوى للقوى العسكرية الرسمية دون سواها. وقد اشير الى ذلك في البيان الوزاري الذي اشار في بنده الرابع: “… ان تعزيز السلم الأهلي ومنع اي عبث فيه، هي مهمة تتولاها القوى العسكرية والأمنية الشرعية، ولا يشاركها فيها اي سلاح آخر غير سلاحها الشرعي. والحكومة تؤكد التزامها توفير الإمكانيات الضرورية لها، عديدا وعدة من خلال اقرار خطة تجهيز وتسليح لها …”

يبقى طبعا ضرورة الإتفاق عل السياسة الوطنية الواجب اعتمادها لحماية لبنان بفعالية من الإعتداءات الخارجية، لا سيما من قبل العدو الإسرائيلي؛ ذلك ما يتطلب الإنتهاء بجدية من الحوار الوطني بهذا الشأن الذي اتفق عليه منذ سنوات طويلة وفي ظل حكومات متعاقبة.

ثانيا:    الحاجة الى العدالة

لا دولة من دون عدالة؛ والعكس صحيح: لا عدالة من دون دولة ناجزة.

لا بد لي من التأكيد بوضوح ان جميع جرائم القتل والإغتيال السياسي وجرائم الحرب مرفوضة ومنبوذة تحت أية ذريعة. كما لا بد لي التأكيد أيضا على حاجة كل لبنان واللبنانيين الى الحقيقة والعدالة، والخروج دون عودة، من ثقافة الإفلات من العقاب، لا سيما بالنسبة للجرائم الكبيرة والإرهابية ذات الطابع السياسي. وكذلك لا بد من التأكيد ان لا تعارض او تفاضل بين العدالة والإستقرار، بل المطلوب هو تحقيق الإثنين معا.

شهداؤنا في انتفاضة الإستقلال جميعهم هم شهداء كل الوطن، وشهداء كل الطوائف، وقد تأسست من اجلهم المحكمة الجنائية الخاصة بلبنان في القرار ١٥٥٧ الذي أصبح واقعا قانونيا وقضائيا وسياسيا دوليا، لا يسع لبنان أو احد تجاوزه او وقفه او تعطيله، الا بعد توافق، لا بل اجماع، لبناني واسع، وذلك ايا كانت الملاحظات والإنتقادات العلمية والسياسية التي يمكن ان توجه آلية انشاء هذه المحكمة وما تضمنته انظمتها من احكام. وبالتالي، ما الاحظه ان هذه الحكومة ووزرائها لا بد ان يتعاونوا مع المحكمة وفق الأنظمة المعتمدة، بواسطة حضرة النائب العام التمييزي.

ما يتوجب علينا في لبنان، ان نواكب هذه المرحلة الدقيقة عبر توافق وطني عريض، يضع خطط وسياسات تحتضن التطورات جميعها من اجل تلقف جميع التداعيات المرتقبة، التي سوف تنتج عن القرارات الإتهامية والأحكام النهائية.

في جميع الأحوال، رب ضارة نافعة من النقاش المحموم حول المحكمة الخاصة بلبنان، لأن ذلك يجب ان ينتج عنه تطوير القضاء المستقل، والنزيه والعادل والفاعل، وتطوير سياسات جدية للإنتهاء من ثقافة الإفلات من العقاب.

المطلوب اذا عدالة لجرائم الإغتيالات السياسية والعدد الكبير من الشهداء المدنيين الذين قضوا في هذه الجرائم، بالإضافة الى عدالة لجميع حالات الجرائم السياسية الأخرى، وجرائم الحرب، التي لم تحظى بعدالة بعد. ما هي ابرز هذه الحالات من الجرائم المتروكة التي لم تحظ بعدالة بعد:

١ –     العدالة تعني أيضا محاكمة اسرائيل لجرائم الحرب التي اقترفتها في اعتداء تموز ٢٠٠٦ التي راح ضحيتها آلاف الشهداء عبر احالة القضية الى المحكمة الجنائية الدولية الدائمة وفق احكام المادة ٤ من نظام روما المنشئ لهذه المحكمة الجنائية الدولية.

٢ –     العدالة تعني ايضا انشاء هيئة خاصة بحل قضية ضحايا الإختفاء القسري، وليس فقط النظر في هذا الأمر (كما ورد في بيان هذه الحكومة وفي بيان الحكومة السابقة). لقد انتظرنا طويلا من الحكومات السابقة بأن تقدم على هذه الخطوة، دون جدوى. علّ هذه الحكومة تنجح في تحقيق ذلك، ليس للإستمرار في مآسي الماضي، بل للإنتقال من الحقيقة والعدالة الى المصالحة الضرورية، بين اللبنانيين انفسهم، واللبنانيين والفلسطينيين واللبنانيين والسوريين.

٣ –     والعدالة تعني ايضا قرارات عادلة وفعالة وسريعة تصدرها المحاكم اللبنانية بمعرض الجرائم التي يقع ضحيتها العدد الكبير من المواطنين العاديين، بما فيها الجرائم المحالة الى المجلس العدلي (التي لا تقع ضمن صلاحية المحكمة الخاصة بلبنان)، والتي لا تدل الوقائع الى انه صار التحقق فيها بأية جدية تسمح بالوصول الى الحققة والعدالة بشأنها.

لكل هذه الأسباب، لا بد لنا من تطوير عدالة لبنانية مستقلة نزيهة، ودائمة الفعالية، ذات مصداقية عالية، لا تضطرنا في أي وقت من الأوقات ان نقع بين حدي طرق باب مجلس الأمن الدولي أو ترك الملفات للغبار والنسيان الخزائن والضمائر الحديدية.

 

ثالثا:    الحاجة الى التنمية المستدامة وتأمين الخدمات والحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية:

لقد سئم الشعب اللبناني من الإنتظار، وهو ينتظر منا الأفعال لا الكلام، ويريدنا ان نخرج من المماحكات الكلامية الى الحوار المفيد. ينتظر منا اللبنانيون واللبنانيات أفعالا تبني له دولة ومؤسسات، توفر له، اضافة الى الأمن والإستقرار، والسيادة والحرية والعدالة، سبل الكرامة والتمتع بجميع حقوق الإنسان، والرفاه (بما فيه الحد الأدنى من الكهرباء والماء والنقل العام) والعمل والضمان الإجتماعي، والخدمات الصحية، والحق بالسكن وبالتعليم، وباحترام البيئة. وقد ورد بشأن الكثير من هذه الحاجات التزامات بصيغة الخطوط العامة وردت في البيان الوزاري، نأمل تطبيقها جميعها.

نحتاج الى ادارة عامة فعالة ونزيهة، شفافة وغير فاسدة، تخدم جميع الناس بمعزل عن الإنقسامات السياسية والطائفية. ولتحقيق ذلك، على الحكومة تطبيق احكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي انضم اليها لبنان، في جميع مندرجاتها، والعمل بجدية على مكافحة الفساد والوقاية منه، وتطبيق القوانين، بعدل ودون انتقام او كيدية أو تمييز بين فاسد وآخر، او بين الفساد البنوي الكبير والفساد الصغير.

هذه الإحتياجات الأساسية كلها لا تتوفر اذا لم يخرج العديد من السياسيين من المزارع الطائفية والمصلحية الفاسدة، واذا لم نخرج جميعنا من حالة التمترس في الخنادق السياسية المتقابلة، ونبلغ العمل المشترك والتعاون من اجل بناء الدولة التي وحدها تحمي وتخدم الجميع.

الخلاصة:

بناء عليه،

  • لو كانت هذه الحكومة من لون واحد مهيمنا عليها من حزب واحد وسوريا، لما كنت لأمنحها الثقة، … لكنها ليست كذلك.
  • لو كانت الحكومة اداة او عنوان لإستعادة سوريا او اية دولة اخرى لهيمنتها على لبنان، لما كنت لأمنحها الثقة، … لكنها ليست كذلك.
  • لو كانت الحكومة تتنكر لحاجة لبنان الى الحقيقة والعدالة الكاملة بالنسبة لشهداء لبنان ولتطوير العدالة اللبنانية المرجوة، لما كنت لأمنحها الثقة، … لكنها ليست كذلك.
  • لو كانت الحكومة لا تتمتع بالمؤهلات لخدمة حاجات الناس، او اذا كانت تعمل على اساس من الكيدية او الإنتقام أو الإبقاء على الفساد المستشري دون مكافحته او الوقاية منه بجدية، لما كنت لأمنحها الثقة، … لكنها ليست كذلك.

في مطلق الأحوال، سوف استمر في مراقبة الحكومة والوزراء من موقعي السياسي والنيابي، لحثهم على تأدية الوعود والخدمات التي يطالب بها المواطن، واستمر في التعاون معهم في كل عمل صالح، مساهما في تصويب اي خلل او تقصير، ساعيا ومساهما في ابقاء جسور التواصل والحوار قائمة بين جميع افرقاء وتيارات الوطن.

لجميع هذه الأسباب، سوف امنح الحكومة الثقة.