مخيبر: الصناعات الاستخراجية لعنة للموارد إذا لم نحسن إدارتها

افتتحت قبل ظهر اليوم في مجلس النواب، الورشة الوطنية عن تحديات قطاع النفط والغاز في لبنان برعاية رئيس مجلس النواب نبيه بري، برئاسة رئيس لجنة الأشغال العامة والطاقة والمياه النائب محمد قباني ممثلا الرئيس بري، وحضور النواب: غسان مخيبر، علي عمار، نوار الساحلي، احمد فتفت، معين المرعبي، تمام سلام، سليم كرم، خضر حبيب، قاسم هاشم، علي حسن خليل، خالد زهرمان، جوزف المعلوف، مروان فارس وفادي الأعور.

ألقى النائب مخيبر كلمة عن المراقبة التشريعية وتدابير مكافحة الفساد. وجاء فيها: “لا حاجة بي أن أعرف كثيرا عن ذلك الفساد الذي تختصره منظمة الشفافية الدولية بأنه استغلال منصب غالبا ما يكون عاما لمصلحة خاصة، والمصلحة الخاصة ليست بالضرورة شخصية لتولي منصب، إنما مصلحة الزبائن، والمنطقة، والحزب. والمصلحة العامة والمصلحة الخاصة وتمازجهما هو عمق مفهوم الفساد، وهو ليس ببعيد عن قطاعات الصناعات الاستخراجية في العالم كله، وهناك تجارب عديدة ودراسات باتت بالعشرات، اخترت البعض منها، وقد اهتم بذلك البعد الخاص بالفساد في قطاع الصناعات الاستخراجية، البنك الدولي، مؤسسات عالمية وبحثية أبرزها معهد رصد العائدات، وقد اخترت لكم الدليل الخاص المتعلق بالرقابة على الايرادات الصادر عن ذلك المعهد، وأبرز من عمل عليها مجموعة من الاختصاصيين باسم “اليوفور”، وقد صدرت ل”اليوفور” مجموعة دراسات خاصة للفساد في هذا القطاع، لماذا هذا الاهتمام الخاص بالفساد في قطاع الايرادات الناتج من الصناعات الاستخراجية؟ لان الادبيات المتعلقة بذلك القطاع تصفه باللعنة، لعنة الموارد الخاصة بالبترول، لأنها يمكن أن تكون عائقا أمام التطور والنمو في كثير من الدول التي تعاني الفساد، فلا تنتقل الاموال الناتجة من تلك الصناعات الى الشعب او الى الدولة، بل تدخل جيوب من يدير هذا القطاع او من يستفيد من إدارته، والاسباب عديدة والمستويات مختلفة، في كل مستوى من مستويات ادارة القطاع، بدءا من اطلاق التلزيم الاولي وصولا الى الانتهاء من التنقيب، كل مرحلة من تلك المراحل تشهد احتمالا عاليا جدا للفساد، الفساد الصغير المتمثل ببضع رشاوى أو الكبير، أي البنيوي، في بنية الدولة حيث يتقاسم المسؤولون في الدولة، بسكوتهم عن بعضهم البعض، مغانم هذا القطاع، مما يؤثر مباشرة على التنمية”.

وأورد أمثلة عديدة على “هذا الفساد الذي يؤثر على التنمية في مقارنة بين دول تعتمد الشفافية وأنظمة الادارة الصالحة، وتلك التي لا تعتمدها يستشري فيها الفساد ويكثر سوء الادارة، هذا في المستوى العام، والامثلة والادلة على ذلك كثيرة”.

ورأى “أننا في لبنان يجب ان نستفيد من تلك التجربة المتراكمة في كيفية الوقاية ومكافحة الفساد بمعزل عن خلافاتنا الصغيرة بين موال ومعارض، بين اكثرية تنتقل من ضفة الى أخرى ومن هو الوزير ومن هي الاكثرية، وسأتكلم بمعزل عن كل هذه الاعتبارات الآنية لأن مسؤولية مجلس النواب في صياغته الاحكام التشريعية وبالاخص اليوم في صياغة المراسيم التطبيقية، تفترض وضع الادوات المؤسساتية للوقاية من الفساد، وإلا نقع في هذا القطاع في المشكلات والعورات الكبيرة التي نقع فيها في القطاعات الاخرى. واقول ان لبنان غارق في الفساد في كل قطاعاته وعلى كل المستويات، يكفي ان تراجعوا ترتيبه المتدني جدا (١٤٦) على قائمة الدول عن الذي يصدر سنويا عن منظمة الشفافية الدولية لتقروا معي بأن الفساد في لبنان ليس ظرفيا ولا سياسيا ولا قطاعيا. هو مؤسسي، داخل في المؤسسات، فيما أنا شخصيا اسمي نظام “الشيخ زنكي” أي سكوت الجميع عن الفساد بتقاسم المغانم ولمصلحة زبائن في نظام خطير. لقد بات علينا مسؤولية ان نقي هذا القطاع الجديد الفساد وتداعياته ومؤسساته، فكيف لنا ان نفعل ذلك؟ الوقاية هي خير من قنطار علاج، والمسؤولية تقع على عاتق المشرع اللبناني في هذا القانون”.

وتابع: “سوف انطلق لكي اقارب التشريع اللبناني في مكافحة الفساد بشكل فعال، مع توصيات علها تجد طريقها الى بعض من التعديل

– أولا: في قانون الموارد البترولية في المياه البحرية الذي أقر في القانون اللبناني، الادوات المهمة هي الاتية:

١- رفع مستوى الشفافية في كل المعاملات للسماح بالرقابة على كل المستويات الادارية والتشريعية وعلى مستوى المجتمع المدني.

٢- وضع ضوابط رقابية على كل هذه المستويات الادارية والتشريعية والرقابية والقضائية ومستوى المجتمع المدني.

٣- ادارة سليمة للرقابة المالية، فأين نحن من هذه الادوات، هذه الرقابات الضروية في الاطار السليم لهذا التشريع؟

وقد لحظ القانون اللبناني مستويات مختلفة للرقابة الادارية، وأوجز في كل مرحلة من مراحل ادارة المرفق رقابات على مستويات ثلاثة، مستوى مجلس وزراء، قرارات أكثر أهمية، رقابة على مستوى الهيئة التي أنشأت جديدا، وهي هيئة ادارة قطاع البترول، والوزارة المعنية، انما يبقى ان العلاقة بين الوزارة والهيئة بات فيها التباس وأخذت نقاشا واسعا في مجلس النواب حين اقرار هذا القانون، إضافة الى الرقابة على المرسوم الذي يفترض ان يصدر لتنظيم هذه الهيئة لانه ترك تنظيم الهيئة وصلاحياتها وعلاقاتها ودورها الى مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء، سيكون في غاية الاهمية لان لهذه الهيئة اهمية بالغة في ادارة قطاع النفط، ويكون لها صلاحيات استشارية في بعض الحالات او صلاحيات شبه ملزمة للوزارة، او لمجلس الوزراء، أقله تقنيا وفنيا. وهناك مشكلة أخرى متعلقة بهذه الهيئة وبغيرها من الهيئات المستقلة، ودورها الدستوري في علاقتها مع مجلس الوزراء والوزارة المختصة. فقد صدر أخيرا عن مجلس الشيوخ الفرنسي تقرير مهم جدا عن الهيئات المستقلة، وأعتقد أن التحدي الجدي سيكون ربط الهيئات المستقلة، وخصوصا تلك الهيئة في ادارة قطاع البترول، ربطها بالرقابة البرلمانية لانها تقوم بدور مهم جدا، ويجب عدم الاكتفاء إطلاقا بربطها بوزير.

– ثانيا: مسألة الصندوق السيادي في المرحلة المتعلقة بإدارة عائدات النفط والغاز، نيطت هذه الصلاحية، بالمشرع النروجي، وقد تبع القانون اللبناني بشكل واسع التوصيات الصادرة عن خبراء نروجيين في التجربة النروجية التي يلفت النظر اليها في القانون المقارن على أنها الأفضل ربما، في ادارة قطاع النفط. هذا الصندوق السيادي أقر مبدأه في القانون اللبناني، إنما ترك أمر تحديد تفصيل إنشائه وادارته لقانون آخر، وبالتالي على مجلس النواب العمل من دون إبطاء على صياغة مشروع القانون او اقتراح القانون بذلك الصندوق السيادي، وان يكون هو أيضا خاضعا للرقابات ولأدوات المحاسبة والمساءلة التي تخضع لها الادارة، وبالتالي أدعو الى أن يكون للمجلس النيابي دور في ذلك أيضا.

– ثالثا: هناك رقابة ديوان المحاسبة اللاحقة التي وضعت على هيئة ادارة قطاع البترول. إن المشكلة في ديوان المحاسبة، وبالاخص حين سيتولى الرقابة في ذلك القطاع المعقد والدقيق. يجب أن نعمل سريعا على تطوير القدرات الادارية والمالية في ديوان المحاسبة لمراقبة هذا القطاع، وأن نتشدد في إرسال ديوان المحاسبة تقاريره الى مجلس النواب، لأن تعرض هذه التقارير للمناقشة يضمن الرقابة المناسبة على ذلك القطاع.

وبالنسبة الى ديوان المحاسبة، يجب العمل على تطوير هذه الادارة المهمة من ادارات الدولة الرقابية الى مستوى من الاستقلالية والفاعلية التي يمكن أن تضمن حسن ادارة القطاع، وهذه الرقابة هي رقابة لاحقة، وان كانت لاحقة فدروها يبقى مهما جدا.

– رابعا: رقابة مجلس النواب، تركت ذلك الى البند الرابع ليس للتقليل من أهميته، انما للاشارة الى ان مجلس النواب يواكب، ولكن لا يمكنه بالضرورة أن يحول دون أعمال الفساد بالنظر في العقود المختلفة وفي كل التفاصيل التي تسبق إقرار العقود وإدارتها من الهيئات المختلفة، وبالتالي دوره في غاية الاهمية، إنما دعوني ألفت الى الوهن الذي تقع فيه الرقابة المجلسية في مجلس النواب.

فالرقابة غالبا ما تكون في اللجان النيابية وليس في الهيئة العامة، وفي ذلك خلل كبير في اداء المجلس النيابي لرقابته، لان الهيئة العامة قليلا ما تجتمع لمراجعة الاسئلة والاستجوابات او للمناقشة العامة، وهي مدعوة الى تكثيف هذه الاجتماعات، وخصوصا نظرا الى قطاع جديد، وأتوقع أن يكون للهيئة العامة اهتمام كبير، لانه اذا عدنا الى الاجتماعات التشريعية وجدنا أن العدد كان كبيرا من الزملاء الذين حضروا وناقشوا وشاركوا في تلك الجلسات”.

أضاف: “بالنسبة الى اللجان، هي غالبا العمل البرلماني الرقابي، والعمل التحضيري للتشريعات غالبا ما يكون في اللجان، ومشكلة هذه اللجان ان اجتماعاتها ليست علنية، وهذه من مكامن الوهن في النظام البرلماني اللبناني، وقد دعوت أكثر من مرة الى جعل اجتماعات اللجان علنية، وخصوصا عندما تنظر في الرقابة على الادارات، وبالاخص على ذلك القطاع، أن تكون اعمال اللجان علنية ، لأن الدواء الجدي للفساد، وقاية ومكافحة، يكمن في الشفافية على كل المستويات. اما الرقابة على المستوى الآخر فهي الرقابة القضائية او شبه القضائية. لا يمكن ان يردع الفساد سوى خطر كبير وجدي من الملاحقة والقصاص، فالكلام والارشاد والانظمة كلما لا تكفي، والقمع القضائي والمراجعة القضائية ضرورة، لذلك تقدمت مع مجموعة من زملائي في المجلس بمشاركة من هيئات المجتمع المدني، بثلاثة اقتراحات قوانين في هذا الخصوص”.

وختم: “في بعض الدول النامية، قد أقول مثل لبنان، قد يتحول قطاع الصناعات الاستخراجية، أي البترولية والغاز، الى لعنة للموارد اذا لم نحسن ادارتها بشكل صحيح ولم نضع كل مردودها في متناول الدولة، وهذا يفترض مؤسسات فعالة، ودولة تأخذ دورها على محمل الجد، ومؤسسات قانونية. الاشخاص مهمون جدا ويجب حسن اختيارهم، انما لا يمكننا مكافحة الفساد ولا الوقاية منه دون وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وتكون صيغة المؤسسات سليمة، وفي الحالتين، في الاختيار والصياغة، للمجلس النيابي دور كبير يضطلع به. اليوم وزارة الطاقة تعمل على صياغة المراسيم وآمل النجاح في ذلك العمل غير المكتمل، لأن الاصعب هو أن نخرج من الثقافة المتجذرة في لبنان. الفساد غول كبير يصيبنا جميعا، وآن لنا ان نتمكن من الانتصار عليه، أقله في ذلك القطاع الجديد”.