يوم جميل في ساحة النجمة.. معوّقون يقتحمونها ونواب يقدمون استجواباً – بري يعد بجلسة قريبة: الإعاقة الحقيقية هي في الحكومة

ضياء حيدر٢٠٠٤/٠٦/١٧ 
المسيرة أمام مبنى البرلمان – علي علوش
كان من المفترض أن يكون المشهد مؤلما، إنهم أهلنا المعوقون، مع الشدة على الواو، الذين ملأوا ساحة النجمة بالأمس، بكل معوقاتهم الكثيرة وبكل تلك الكراسي النقالة والعكازات… وبينهم طفلتان ترشدان أبا، ورجل وحيد على كرسيه، محمد حمية، دار يحكي قصته، كيف أن <<الدركي>> كان يريد مجازاته لأنه كان يبيع العلكة عند البربير.. كتلة من البشر بأجساد تعاني أوجاع <<اللااكتمال>> كانت محتشدة في منتصف البلاد بالأمس، في <<بؤبؤ عين>> البلاد.. نحو الألف حكاية مؤلمة كانت تتنفس بالأمس في تلك الساحة، ولكن لألف سبب كان المشهد جميلا، للغاية، أولا لأنه كان يشعر بالصحة، جمال نسيناه منذ وقت، وحتى ذلك النشيد الذي أصبح يعني فشلا لكثرة ما تردد في تظاهرات لم توصل إلى مكان: <<سنين بقينا بلا نوم وقررنا نُوعا اليوم. يا بلادي لا تلوينا صرنا برات اللوم…>>. بالأمس أنشده مكفوفون تركوا بعض النواب يصرحون في ساحة النجمة، وتفيأوا بشجرات الساحة وصفقوا… فعلا هم منذ سنين، منذ أن كانوا بشرا هم بلا نوم… هذا النشيد كان حقيقيا لأول مرة منذ زمن، وأكثر من ذلك فرحا…
أليست مفارقة أن يزرع المعوقون فرحا في وسط المدينة أمس، فرح اقتحامهم الجميل للساحة <<السنوبية>>، كراسي متنقلة وعكازات كانت تقطع الطريق، والمارون بسياراتهم، مشدوهون بمشهد لم يعتدوه، فمرورهم كان ضاجا وفرحا، وقد لبس المعوقون أجمل ما عندهم وحملوا لافتات بيضاء كبيرة، وكانوا على عجلة من أمرهم، ربما لم يقطعوا يوما مسافة بهذه السرعة… صحيح أن الشمس كانت حارقة وقد تعرق الجميع، ولكن الجو كان احتفاليا، لأنهم هنا مجتمعون يطالبون بقوة، بحقهم في القانون ٢٢٠ الذي صدر منذ اربع سنين ولم يطبق.. <<القانون ٢٢٠: من أجل أن نكون بينكم، مثلكم>>. قالت إحدى لافتاتهم… وشرحت أخرى كثيرة أن القانون يشمل الإستشفاء الكامل والتعلم والعمل والتنقل… ولكن <<ما زالت المستشفيات ترفضنا>> و<<ما زلنا عرضة للإهانة>>.. القانون الذي يحميهم لم يطبق إلا جزئيا، أنشئت في بعض الوزارات لجان لتطبيقه، من دون أن يسمى أعضاؤها…
أربع سنين من الانتظار، بالطبع ذلك يتطلب استجوابا للحكومة، ولو أن النائب غسان مخيبر الذي كلف بوضع القانون المذكور، يحضر استجوابا كما قال، فقد كان هناك بالأمس في ساحة النجمة سبعة نواب وقعوا على عريضة تطالب رئيس مجلس النواب بعقد جلسة مساءلة للحكومة حول عدم تطبيقها القانون. وهم نسيب لحود، ايلي عون، أسامة سعد، غسان مخيبر، قاسم هاشم وعباس الهاشم بالإضافة إلى توقيع نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي، إلا أن الرئيس بري الذي لحقت به المتطوعة في الإعتصام مطالبة بتوقيعه رد عليها <<هيدا غسان مخيبر اعطيتكن اياه..>>. وشرحت لنا انه أشار لمخيبر بما أنه واضع القانون.. بري الذي وصل إلى الساحة مع نهاية الاعتصام تقريبا، تجمهر حوله المعتصمون والصحافة، وسأل مستغربا المعتصمين <<لم يطبق القانون… ما هي الثغرات؟>>. وبالطبع كان هناك العشرات ممن تمكنوا من الوصول إليه يملكون أجوبة طويلة على سؤاله المختصر… رد بري بالقول للمعوقين بأنهم شرف هذه البلاد فهم من قدموا التضحيات بالإشارة إلى ضحايا الألغام التي زرعتها اسرائيل <<أما الإعاقة الحقيقية هي في الحكومة>>. وردا على سؤال حول ما إذا كان سيعقد دورة استثنائية لاستجواب الحكومة حول عدم تطبيقها القانون رد <<بأن الحكومة اعتادت على اللف والدوران حول الموضوع… وانشاء الله في أقرب فرصة ستعقد هذه الجلسة>>.
بدل اقتراح نائب واحد من أجل استجواب الحكومة، وهو العدد القانوني اللازم لطلب استجواب، فقد تقدم نحو العشرة نواب، من قبيل الدفع باتجاه الاستجواب. فبالإضافة إلى من ذكر من النواب الموقعين على العريضة المقترحة من منظمي الإعتصام، تقدم أمس نواب التكتل الطرابلسي محمد كبارة ومحمد الصفدي وموريس فاضل بسؤال للحكومة حول امتناعها عن تطبيق القانون ٢٢٠ المتعلق بحقوق الأشخاص المعوقين… في أي حال فإن جمعيات المعوقين اللبنانيين الأساسية الداعية لهذا التحرك حضرت ملفا جاهزا يمكن لأي نائب الاستعانة به ليكون استجوابه واضحا، وجهوا فيه أسئلتهم المحددة لكل وزارة.. وما عاد على النواب إلا دعم هذا الإستجواب… في الملف، ولكل وزارة تذكير بالفقرة التي تخصها، عرض لما نفذ وما لم ينفذ وهناك السؤال ثم الاقتراح التوجيهي. سنون اربع عمل خلالها المعوقون، لم يناموا حقا كما يقول النشيد…
يمكن أيجاز الأسئلة بالتالي: لماذا لم تأخذ وزارة التربية على عاتقها لغاية الآن تعليم المعوقين في المؤسسات التربوية العامة.. وفي الاقتراح أن تختار مدرستان في كل محافظة وتوفير ما يلزم لدمج وتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة وذلك بالتعاون مع الجمعيات والمؤسسات.. ولوزارة العمل وحول ما يتعلق بالكوتا الخاصة بالمعوقين، <<لماذا لم تبادر الوزارة إلى تطبيق مواد القانون والى تحديد آليات تنفيذه، ولماذا الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لم يطبق مسؤولياته بمراقبة المؤسسات من القطاع الخاص غير المطبقة لهذه الكوتا..>>. أما بخصوص وزارة الصحة ببساطة: <<لماذا لم تأخذ أي إجراء لتطبيق بنود القانون>>، وهناك أيضا ما يتعلق بوزارة الأشغال العامة والتنظيم المدني ومديرية النقل البري ووزارة الإسكان ووزارات الشباب والرياضة والشؤون الاجتماعية والمالية.
<<يقولون لنا أننا لسنا من الأولويات.. ونقول لهم إذا لم تكن مصالح الفئات الاجتماعية الفقيرة والمهمشة من أولويات أي حكومة فعليها أن ترحل>> قالت رئيسة اتحاد المقعدين اللبنانيين سيلفانا اللقيس التي تحدثت باسم المعتصمين الذي يمثلون خمسا وخمسين جمعية وهيئة مدنية. ربما سيكون يوم أمس، يوما مفصليا بالنسبة لنحو ثلاثة بالمائة من الشعب اللبناني، أي الفئة المصنفة بالمعوقة، لو بقي كل النواب على الحماسة نفسها… هنا التحدي. أما بالنسبة للمعوقين فكانوا أجمل حدث مر على الساحة منذ وقت طويل.. ففي بيوتهم المتفرقة يصبح المشهد حزين جدا. لا بأي بيوم جميل لهم.