بعد انضمام لبنان الى لائحة الفساد الدولية مخيبر وعدوان يشرحان آلية التصنيف ونتائجها: الارادة السياسية تمنع تنفيذ الاصلاح الاداري

كتبت ريما الدكاش:
أصبح الفساد مرضاً مزمناً يلاحق لبنان بكافة فئاته ومؤسساته، وقد احتل البلد مرتبة دنيا في المؤشر العالمي لمدركات الفساد. والسؤال، ما هو المؤشر الذي تم اعتماده في هذا التصنيف? وكيف للبنان أن يحسّن من مستواه?
النائب غسان مخيبر اعتبر ان المؤشر الذي تنشره مؤسسة الشفافية الدولية يتعلّق بمدركات الفساد أي التقييم الشخصي وفق استقصاءات تجريها المؤسسة بواسطة مكاتب متخصصة عبر رجال الاعمال وعدد من الاكاديميين لمستوى الفساد على سلم من ١٠ نقاط، مشيراً الى ان هذا الاستقصاء يعتمد على عدد كبير جداً من الاسئلة المشتركة لجميع الدول تسمح بالقياس من دولة الى أخرى، وأنه يقيس المستوى المقدّر لقبول الرشاوى لدى السياسيين وموظفي القطاع العام.
وقال مخيبر ان المؤشر هو بمثابة علامة فحص لطالب في مدرسة يتكرر من سنة الى أخرى. وكلل علامة، تضع حوافز على الدولة والمجتمع فيها، وبالأخص مؤسسات المجتمع المدني لتحسين وضع الفساد فيه، ولكن لكل دولة بحسب خصوصيتها لافتاً الى ان العمل المطلوب في لبنان هائل ويرتبط بخطة عمل على أكثر من مستوى إن على صعيد الاصلاح السياسي البنيوي أولاً، أو على صعيد الاصلاح الاداري والقضائي ثانياً، أو عبر تعزيز الوعي للمواطن وإشراك اكبر شريحة ممكنة منهم في عملية المراقبة والمساءلة الدائمين، إضافة الى المؤسسات الدستورية والادارية المتخصصة بالمراقبة والمحاسبة.
أضاف مخيبر، ان الفساد لا يقتصر على الرشاوى في الإدارات وانه متغلغل في جميع مستويات ادارة مؤسسات الدولة معرفاً إيّاه كمنظمة الشفافية الدولية على انه استغلال أو سوء استعمال وظيفة رسمية من أجل تحقيق مكاسب شخصية معتبراً أن استئصاله هو أبعد بكثير من الاصلاح الإداري لانه عملية كبيرة ومعقدة تتطلب ارادة سياسية جامعة، والمثابرة على آلية مكافحة لا يتوقع منها الا ان تدوم سنوات طويلة والأهم أن يكون هناك خطة واضحة للعمل بحيث يبدأ كل في موقعه في مكان ما، وأن تزيد من المبادرات العملية التي هي ممكنة والتي تتطلب أقلّه تجاوزاً لحالة الاحباط.
وحول ما اذا كانت دعوة المنظمة الى تعليق المساعدات للحكومات الفاسدة سيؤثر على نتائج (باريس – ٢) وعلى إمكانية عقد (باريس – ٣) قال مخيبر ان الفساد متفشٍ في جميع دول العالم بنسب متفاوتة وبالتالي لا يعتقد ان ذلك سيؤثر لأن المطلوب هو الضغط لكي يبدأ الاصلاح في مكان ما لافتاً الى ان المؤسسة تعلم كالجميع بصعوبة عملية الاصلاح متفقاً مع المنظمة انه للهيئات المالية الواهبة دور في حث الحكومة اللبنانية على الاسراع في عملية الاصلاح وفق منهجية واضحة، وآلية محددة، وان ترتبط المساعدات المالية بحسن تطبيقها.
وابدى مخيبر قلقه الشديد على المستقبل الاقتصادي والمالي في لبنان قائلاً ان اتفاق (باريس – ٢) والاطار الذي وضع فيه، لا يشكل الا جزء من الضباب في التخطيط وفي سوء التنفيذ الذي يكتنف الحياة العامة. اضاف ان الحكومة مستمرة في انتهاج موقف بعيد عن الحوار وهي تهدر فرصاً كثيرة في اعادة ترميم اقتصاد هو في أسوأ احواله حيث الدين يأكل الاخضر واليابس.
وتابع مخيبر ان المثل يقول ساعد نفسك تساعدك السماء لذا فلنبدأ بأنفسنا قبل المطالبة بباريس – ٣ أو ٤ ونفهم مصائبنا ونتجاوز اخطاءنا للاستمرار في المساعدة.
وعن التجارب الناجحة التي يمكن للحكومات استخدامها لمكافحة الفساد اشار مخيبر الى ان المنظمة وضعت قائمة بالتجارب ما يشبه الوصفة لمكافحة الفساد وتتطلب اعتمادها في كل دولة في ضوء خصوصيتها. ومن هذه التجارب مؤسسة وسيط الجمهورية الذي بات مشروع القانون العائد لتأسيسه في لبنان في مجلس النواب وهو من المؤسسات المستقلّة التي تساعد المواطن في تذليل العقبات التي تواجهه مع الادارة في جميع مكوّناته. وقد طالب مخيبر مجلس الوزراء باقراره تمهيداً لاقراره في مجلس النواب ومن الامثلة ايضاً قوانين خاصة تؤمن حق المواطن في الوصول الى المعلومات والعقود الرسمية لتشجيعه في لعب دور الرقيب والحسيب على اعمال الادارة، وتحميه في حالة افشائه المعلومات المتعلقة بالفساد.
واضاف ان اعتماد الحلول الجزئية بطبيعة الحال لا يكفي لكنها تساهم اذا ما اقترنت بخطة شاملة تبدأ من ضمنها الاصلاح السياسي البنيوي الذي يتضمن نظاماً انتخابياً جديداً، وتعزيز سيادة لبنان واستقلاله وقراره الحرّ وفعالية القضاء إضافة الى اصلاح الادارة العامة وزيادة فعاليتها وتفعيل الحوارات الوطنية تعزيزاً للمصالحة
واعتبر مخيبر ان كل هذه المبادرات لا تحسن من أداء المؤسسات الدستورية والادارية فحسب، بل تساهم أيضاً في اعادة المواطن للاهتمام في الشأن السياسي العام واخراجه من دائرة الاحباط وتشركه في صنع الارادة السياسية لتحقيق الاصلاح ومكافحة الفساد. مشيراً الى انه من دون هذه الارادة السياسية لا شيء قابل للاصلاح خاصة في ظل نظام محميات طائفية يزيد من (الطين بلّة) ونكهة خاصة من الحماية على اساس ٦ و٦ مكرر.
ولفت مخيبر الى ان الخلافات بين الرئاستين الاولى والثالثة شيء جيد لانها ترجمة خاصة لمبدأ دستوري سياسي اساسي وانها تجعل عملياً من ادارة الدولة ادارة اكثر شفافية كون الفضائح تنكشف بفعل فضح دور كل واحد. وهذا افضل من ان يتفق الجميع على تقاسم الجبنة تحت الطاولة وبعيداً عن انظار او مسامع الناس.
واكد مخيبر أن هذه اللعبة الضرورية للشفافية يفترض ان تبقى ضمن الاطر التي تحكمها المؤسسات بشكل يكون الاحتكام دائماً للسلطة التنفيذية التي لها وحدها أن تفصل فيها ان بالاجماع اذا توفر التوافق او بالاكثرية.
المدير التنفيذي في قسم الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية (لافساد) الفرع اللبناني لمنظمة الشفافية الدوليّة شارل عدوان قال ان مؤشر مدركات الفساد يقوم على الفساد في القطاع العام معتبراً ان الفساد استغلال منصب ما لمكاسب خاصة وانه مؤشر مركب ينظر في سبعة عشر مصدراً من استمارات واستفتاءات مختلفة تابعة لثلاث عشرة مؤسسة مستقلة وزعت على رجال اعمال وأكاديميين ومحللي مخاطر، من مواطنين وأجانب.
ويشترط الورود على مؤشر مدركات الفساد توفر ثلاثة مصادر تقييم على الأقل، لافتاً الى ان تحضير هذا المؤشر يتم في العاصمة الالمانية برلين تحت اشراف فريق من الباحثين بحيث الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية (لافساد) الفرع اللبناني لا تساهم في وضع المؤشر بل تقوم بتحليله مع انعكاساته واسباب نتائجه في اطار لبنان والدول العربية.
وقال عدوان ان هذا المؤشر يقيس مستوى ادراك الفساد لا الفساد نفسه وهو يعكس الصورة التي يراها المستفتون عن البلد المصنف بالنسبة للفساد الاداري والسياسي فيه. واعتبر ان احتلال لبنان مرتبة متدنية جداً يعكس آثار قضايا الفساد المتكررة على الرأي العام اللبناني والعالمي اضافة الى تعقيد المعاملات الادارية وكثرة الرشاوى في حين ينعكس عدم البت في القضايا العالقة مثل ملف الكهرباء وبنك المدينة ووزارة الزراعة سلباً على تقييم المستفتين لمستوى الفساد في لبنان.
ولفت عدوان الى ان النتيجة في مؤشر مدركات الفساد لها معانٍ بحيث نقطة (١٠) تعني نظيف جداً في حين النقطة (صفر) تعني فاسد جداً وان عملية التأكد من دفع الرشاوى غير ممكنة لان الامر هو عملية استفتائية تقوم على المقارنة بين البلدان من خلال لائحة اسئلة تطرح على اشخاص يعيشون داخل البلد كذلك خارجه.
واشار عدوان الى ان عملية تحسين التصنيف متعلقة بالإرادة السياسية الجديدة التي تظهر من خلال التعامل مع الملفات بجدية وموضوعية بحيث يرى الرأي العام التغييرات الحاصلة عبر ملاحقة ومحاسبة الفاسد الذي ينعكس ايجاباً على البلد.
واضاف عدوان ان لبنان لم يندرج اسمه على اللائحة السنة الماضية لانه لم يكن متوفراً سوى دراستين من أصل ثلاثة، مشدداً على ان امكانية تحسين الوضع تتطلب اصلاحاً جدياً عملياً وملموساً.